أما المؤمن الموحد فليس كذلك يعلم يقينًا أن نجاته ونجاة الخلق جميعًا لا يملكها أحد غير الله، وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، لا مبدل لقوله ولا معقب لحكمه، وأن الشفاعة لله جميعًا، فهو لذلك يحب ربه محبة لا تساويها محبة، وذلك قوله: (وَالَّذِينَءَامَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ) .
المحبة في قلب الموحد ذات أصل واحد، وعن هذا الأصل تتفرع فروع المحبة، ولكل فرع مقدار مناسب في قلبه، أما المحبة في قلب المشرك فذات أصول متعددة وفروع مختلفة، فمن أجل ذلك لا ترى المؤمن يعبد إلا إلهًا واحدًا، وهو ذلك الذي آمن به ربًا قادرًا، له القدرة جميعًا، عزيزًا له العزة جميعًا، إذا قضى أمرًا فإنما يقول له كن فيكون، وترى المشرك تارة ماثلًا بين يدي الله يعبده ويدعوه، وتارة ماثلًا بين يدي مخلوق يستغيثه ويرجوه، ومرة يحلف بربه، ومرة أخلى يحلف بغيره، ومرة يطوف ببيت ربه، ومرة يطوف بقبر وليه، كما سوى بينه وبين غيره في المحبة، سوى بينهما في العبادة، وذلك أثر الغلو في المحبة الذي حذر الرسول قومه، فقال: (إياكم والغلو، فإنه أهلك الذين قبلكم) ، حذرهم الغلو وأنبأهم بأنه سيكون، فقال: (لتركبن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه) ، قالوا: اليهود والنصارى يا رسول الله؟ قال: (فمن؟ ) .
في شهر ربيع الأول من كل سنة يحتفل الناس بمولد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، ويظنون أن نصب السرادقات وقراءة قصة المولد على ما فيها من دجل ومبالغات وتوزيع الحلوى على الحاضرين المستمعين بعد الفراغ منها يدل على محبة الرسول، وهذا خطأ فما كان السلف يعرفون شيئًا من هذا.