فهرس الكتاب

الصفحة 8455 من 18318

نعم إن محبة الرسول صلى الله عليه وسلم واجبة على كل مؤمن، ولا يتم إيمانك حتى يكون الرسول أحب إليك من أبيك وولدك والناس أجمعين، بل ويكون أحب إليك من نفسك: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) [الأحزاب: 6] ، وقد بينا لك آنفًا، ولكن قليل من الناس من يفقه معنى المحبة، إنها اتباع من تحب والاقتداء به والتخلق بخلقه، وقد سُئلت عائشة، رضي الله عنها، عن خلق الرسول صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: كان خلقه القرآن، ومعنى ذلك أنه كان يحل حلاله ويحرم حرامه ويقيم حدوده.

كان متواضعًا لله، يجلس جلسة العبد، ويأكل على الأرض، ويخصف بيده نعله، ويرقع ثوبه، ويركب الحمار العاري، ويردف خلفه، وجاء قوم فمدحوه، فقال: (لا أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل، إنما أنا عبد الله ورسوله) ، وكان يكره القيام له، ويقول: (من سره أن يتمثل الناس له قيامًا فليتبوأ مقعده من النار) ، فكن متواضعًا لله مثله يا من يَّدعي حبه، واعلم أن من تواضع لله رفعه.

وفي (الصحيحين) عن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله، نهى عن الإطراء وهو المبالغة في المدح، حتى لا نقع في مثل ما وقع فيه النصارى غلو في المسيح، قالوا: إنه ابن الله، وما هو إلا عبد الله ورسوله:(مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ) [المائدة: 75] ، فهل امتثلت أمته من بعده هذا الأمر ولم يغلو فيه؟!

رأينا في هذه الأيام طوائف ينتمون إلى دين الرسول محمد صلى الله عليه وسلم قد لبسوه لبس الفرو مقلوبًا يزعمون أن الحقيقة المحمدية نور يمثل حقيقة الذات العلية، أو أنه لولاه ما كانت سماء ولا أرض ولا شمس ولا قمر، وأنه أوتي العلم كله، فيقول قائلهم وهو البوصيري:

فإنه من جودك الدنيا وضرتها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت