ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عمر كلها في ذي القعدة عمرة الحديبية التي صد فيها عن البيت وقدم الهدي فيها، فهي عمرة تامة - والحمد لله - وفيها التيسير على كل من أحصر بعد، وكانت في ذي القعدة سنة ست، وعمرة القضاء، وكانت في ذي القعدة سنة، سبع، وليست قضاءً بمعنى فساد السابقة، فقضى هذه عنها إنما قضاء بمعنى أن الصلح أثبتها في قضيته فكانت لذا لم يعزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على كل من كان في الأولى أن يعتمر في الثانية، والثالثة وهي عمرة الجعرانة في ذي القعدة سنة ثمان بعد حصار الطائف، وقبل الرجوع إلى المدينة، أحرم بها من الجعرانة، والرابعة التي قرنها مع حجته، وقد أحرم بها في ذي القعدة سنة عشر، وكان أداؤها في ذي الحجة.
وأخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما - واللفظ لمسلم - عن ابن عباس، رضي الله عنهما، قال: كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض ويجعلون المحرم صفرًا ويقولون: إذا برأ الدبر وعفا الأثر وانسلخ صفر حلت العمرة لمن اعتمر، فقدم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج، فأمرهم أن يجعلوها عمرة فتعاظم ذلك عندهم، فقالوا: يا رسول الله، أي الحل؟ قال: (الحل كله) .
وأخرج أبو داود عن ابن عباس، رضي الله عنهما، قال: والله ما أعمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة في ذي الحجة إلا ليقطع بذلك أمر أهل الشرك، فإن هذا الحي من قريش ومن دان دينهم كانوا يقولون: إذا عفا الوبر وبرأ الدبر ودخل صفر فقد حلت العمرة لمن اعتمر، فكانوا يحرمون العمرة حتى ينسلخ ذي الحجة والمحرم.