فهرس الكتاب

الصفحة 8533 من 18318

وكذلك فإن آثار الصحابة كما تقدم موافقة لهذا الحديث، مشتقة منه مفسرة له، كما أنه لا يليق بالشريعة الكاملة التي لعنت آكل الربا ومؤكله، وبالغت في تحريمه، وآذنت صاحبه بحرب من الله ورسوله، أن تبيحه بأدنى الحيل مع استواء المفسدة، ولولا أن عند أم المؤمنين، رضي الله عنها، علمًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تستريب فيه ولا تشك به بتحريم مسألة العينة لما أقدمت على الحكم بإبطال جهاد رجل من الصحابة باجتهادها، لا سيما إن كانت قصدت أن العمل يبطل بالردة، واستحلال الربا ردة، ولكن عذر زيد أنه لم يعلم أن هذا محرم، كما عذر ابن عباس بإباحته بيع الدرهم بالدرهمين، وإن لم يكن قصدها هذا، بل قصدت أن هذا من الكبائر التي يقاوم إثمها ثواب الجهاد، ويصير بمنزلة من عمل حسنة وسيئة بقدرها فكأنه لم يعمل شيئًا، ولو كان هذا اجتهادًا منها لم تمنع زيدًا منه، ولم تحكم ببطلان جهاده، ولم تدعه إلى التوبة؛ فإن الاجتهاد لا يحرم بالاجتهاد، ولا يحكم ببطلان عمل المسلم المجتهد بمخالفته لاجتهاد نظيره، والصحابة - ولا سيما أم المؤمنين - أعلم بالله ورسوله وأفقه في دينه من ذلك.

وأيضًا فإن الصحابة كعائشة وابن عباس وأنس أفتوا بتحريم مسألة العينة، وغلظوا فيها هذا التغليظ في أوقات ووقائع مختلفة، فلم يجئ عن واحد من الصحابة ولا التابعين الرخصة في ذلك، فيكون إجماعًا.

فإن قيل: فزيد بن أرقم قد خالف عائشة ومن ذكرتم، فغاية الأمر أنها مسألة ذات قولين للصحابة، وهي مما يسوغ فيها الاجتهاد.

قيل: لم يقل زيد قط: إن هذا حلال، ولا أفتى به يومًا ما، ومذهب الرجل لا يؤخذ من فعله، إذ لعله فعله ناسيًا أو ذاهلًا، أو غير متأمل ولا ناظر أو متأولًا، أو ذنبًا يستغفر الله منه ويتوب، أو يصير عليه وله حسنات تقاومه فلا يؤثر شيئًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت