فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
اعتاد هذا الابن البار أن يجلس في غرفته المخصصة له ولأخيه الأكبر يستذكر دروسه وباب الغرفة مفتوح على الصالة مثل سائر غرف المنزل، واعتادت أمه أن تجلس على أريكة في نهاية هذه الصالة تحيك الملابس وترتق الجوارب أو تجهز طعامًا قبل إنضاجه، فكان الابن يسمع والدته إذا قامت من مجلسها أو جلست على الأريكة تهتف باسم ولي من أولياء الله الصالحين، أو تنادي آل البيت، وتطلب منهم المدد والغوث، فلم يشأ الولد أن يدخل في جدال مع أمه كما كان يحاور أباه، لكنه آثر أن يتبع معها أسلوبًا آخر هو أشد وطئًا وأقوم قيلًا، اختار الابن أن يجهر بآيات من كتاب الله الذي جمعه الله في قلبه ليصرف أمه عن دعاء غير الله متمنيًا على الله أن يهديها للإخلاص في عبادته، فلا تدعو مع الله أحدًا، وقال الابن في نفسه: ليس على ظهر الأرض بيانًا أفصح ولا برهانًا أوضح ولا حجة أبلغ من كتاب الله، ثم تلا قوله تعالى: (قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ) [الأنعام: 149] .
وبعدها حدث نفسه بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (استعن بالله ولا تعجز) ، فصارت الأم بعد ذلك كلما نادت وليًا من أولياء الله الصالحين تسمع ولدها وهو في غرفته يترنم بصوت مرتفع تارة بقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) [الأعراف: 194] ، فتتعجب الأم، وتقول في نفسها: هل ولدي يخاطبني بهذا القرآن أم يخاطب نفسه؟! ثم تسكت على مضض، وتارة أخرى سمعته يتغنى بصوت رخيم بقوله تعالى: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ(5)