فهرس الكتاب

الصفحة 8544 من 18318

فقال: يا أماه، إن أهل الجنة جميعهم بنص هذه الآية الشريفة لهم ما يشاءون عند ربهم في جنات النعيم، ولكن للأسف يا أماه، فإن سدنة الأضرحة الذين يأكلون السحت من صناديق النذور لغير الله يحرفون هذه الآية عن مواضعها، كما كان يفعل بنو إسرائيل طلبًا لعرض هذا الأدنى، وكما يحرفون معاني الآيات التي تذكر الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فيجعلون منها مداخل للشرك كما وضحت لك في أول جلستنا هذه.

وعندما بلغ الحوار بين الابن البار وأمه المسكينة هذا المنعطف الخطير أصاب الأم وجوم وشرود وحزنت على أنها قضت حياتها تفزع وتستغيث وتطلب المدد ممن لا حول له ولا قوة، ولكن بقي في نفسها شيء من التردد منعها من الاعتراف بصحة ما سمعته من ولدها الحبيب، حتى تستوثق وتسأل الشيوخ المرابطين عند أضرحة الأولياء عما يجري في هذه الأماكن من صيحات واستغاثات ونداءات وزفرات وعبرات، هل شيء من ذلك كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو عهد خلفائه الراشدين؟! فواقع الأمر أن هذه الأم تحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وتحب الصحابة الكرام، رضوان الله عليهم جميعًا، وتحب أن تسمع سيرتهم العطرة وجهادهم في نصرة دين الإسلام، وكثيرًا ما كانت تردد قول الله تعالى: (رَبَّنَاءَامَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) [آل عمران: 53] .

ونفذت الأم ما عزمت وصممت عليه، وطافت بالشيوخ في مرابضهم، وعادت إلى ولدها لتقول له: يا بني، لقد ذهبت إلى المشايخ المرابطين حول الأضرحة وحاورتهم بما فهمت منك، فما أفادوني بشيء سوى ترديد ما تعودنا سماعه منهم؛ أن أصحاب هذه الأضرحة لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وأن لهم ما يشاءون عند ربهم، ولم يقتنعوا بما ذكرته لهم، وقالوا لي: إنك قد اعتنقت الفكر الوهابي، وهذا مذهب خامس أصحابه ينكرون كرامات الأولياء، وأنهم كفرة مارقون من الإسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت