ألا ترى إلى كلمة: (قُلْ) في آخر الآية الثانية كيف صححت موقف العقل من الآيتين جميعًا، وسدت عليه باب احتمال أن تكون الآيتان من كلام النبي صلى الله عليه وسلم أدرجتا في القرآن؟ إن لها وقعًا بلاغيًا عظيمًا، ففرق بين الآيتين الكريمتين كما أنزلتا، وبينهما بحذف كلمة: (قُلْ) من ثانيتهما مع إثبات الفاء طبعًا، لكن هذا الفرق لا يبلغ مبلغه في حالة الآيات الكريمة التي سبق الاستشهاد بها من آخر سورة (سبأ) ، فهناك يتفكك الكلام ويذهب عنه كثير من الروعة، وهنا لا يدرك تفككه وإن ذهب عنه من الروعة والجلال ما ركز في كلمة: (قُلْ) هذه، لكن بقطع النظر عن هذا لا تتغير الرسالة الكريمة المودعة في الآيتين بحذف: (قُلْ) ، من ثانيتهما، وإنما ينفتح للشيطان باب الوسوسة إلى الإنسان، وأقل ما يوسوس به أن هذا كلام للنبي صلى الله عليه وسلم اندرج في القرآن ليزلزل بذلك من القارئ المؤمن اعتقاده أن القرآن كلام الله كله، ليس لمخلوق منه حرف، نبي أو غير نبي، وسيلجأ المؤمن طبعًا إذ ذاك إلى خاصة الإعجاز يدرأ بها الوسوسة من نفسه، ولكن كم في الناس من أوتي من البصر ما يستطيع به إدراك إعجاز الآيات سهل على الشيطان أن يشكك في الإعجاز اللغوي لآية أو آيتين، لكن من الصعب حتى على الشيطان أن يطمس الدلالة العقلية لكلمة: (قُلْ) في آخر الآية الثانية؛ أن الآيتين كلتيهما ليستا من كلام النبي، وأنهما لا يمكن أن تكونا من كلام النبي بوجه من الوجوه.