فغيرة الرجل على زوجته من سائر الرجال؛ لأنه يمتنع أن يكون للمرأة زوجين بطريق الحلال، أما المرأة فيقول ابن حجر: فحيث غارت من زوجها في ارتكاب محرم، إما بالزنا مثلًا أو بنقص حقها وجور عليها لضرتها وإيثارها عليها، فإذا تحققت ذلك أو ظهرت القرائن فيه فهي غيرة مشروعة، فلو وقع ذلك بمجرد توهم عن غير دليل فهي الغيرة في غير ريبة، وأما إذا كان الزوج مقسطًا عادلًا وأدى لكل من الضرتين حقها فالغيرة منهما إن كانت لما في الطباع البشرية التي لم يسلم منها أحد من النساء، فتعذر فيها ما لم تتجاوز إلى ما يحرم عليها من قول أو فعل، وعلى هذا يحمل ما جاء عن السلف الصالح من النساء في ذلك. (انتهى) .
فانظر ما وقع بسبب الغيرة من عائشة أن أعمر النبي صلى الله عليه وسلم ضرائرها فطيب خاطرها بهذه العمرة، لتتساوى مع ضرائرها، مبينًا حكمًا شرعيًا بيانًا شافيًا أن العمرة في ذلك مباحة للعذر، وأن الأجر فيها بقدر النصب.
وانظر، فالنبي صلى الله عليه وسلم لما علم غيرة عائشة، رضي الله عنها؛ لأنه طاف بزوجاته فأعمرهن وتركها، وجدت في نفسها، ولكن كأني به لو خرج بنفسه لعمرتها لغارت غيرها من الزوجات أو سألت أن تخرج معها للعمرة إذا خرج معها بنفسه، من أجل ذلك أمر بها عبد الرحمن أخوها أن يعمرها، وفي ذلك نذكر ما أخرجه البخاري عن عائشة، رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب لنفسه خباءً يعُتكف فيه في رمضان، فاستأذنته عائشة، رضي الله عنها، فضربت لنفسها خباءً، فأمرتها حفصة أن تستأذن لها في خباء فأذن لها، فلما رأت زينب ذلك ضربت لنفسها خباءً، فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم من صلاة الصبح نظر الأخبية فقال: (آلبر أردن بهذا؟ ما أنا بمعتكف) .