فهرس الكتاب

الصفحة 8760 من 18318

(ولهذا كان بين ابتلاء يوسف الصديق بما فعل به إخوته من الأذى والإلقاء في الجب، وبيعه بيع العبيد، والتفريق بينه وبين أبيه - كان بين ذلك كله - وابتلائه بمراودة المرأة فرق عظيم لا يعرفه إلا من عرف مراتب البلاء، فهو - أي يوسف عليه السلام - شاب عزبٌ غريب بمنزلة العبد لها، وهي الداعية إلى ذلك، وإن الشباب داع إلى الشهوة، والشاب قد يستحي من أهله ومعارفه من قضاء وطره، فإذا صار في دار الغربة زال الاستحياء والاحتشام، وإذا كان عزبًا كان أشد لشهوته، وإذا كانت المرأة هي الطالبة كان أشد لشهوته، وإذا كانت جميلة كان أعظم، فإن كانت ذات منصب كان أقوى، فإن كان ذلك في دارها وتحت حكمها، بحيث لا يخاف الفضيحة ولا الشهرة كان أبلغ، فإن استوثقت بتغليق الأبواب والاحتفاظ من الداخل كان أقوى أيضًا، فإن لرجل كمملوكها وهي كالحاكمة عليه الآمرة الناهية كان أبلغ في الداعي، فإذا كانت المرأة قد امتلأ قلبها حبًّا للرجل، فهذا الابتلاء الذي صبر معه مثل الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم، صلوات الله عليهم أجمعين، ولا ريب أن هذا من جنس ابتلاء الخليل بذبح ولده، إذ كلاهما ابتلاء بمخالفة الطبع ودواعي النفس والشهوة ومفارقة حكم طبعه) . اهـ.

ويعلل ابن القيم كلامه ذلك في موضع آخر مبينًا أن الابتلاء بمخالفة دواعي النفس والطبع يتوقف على قوة الإيمان، أما الابتلاء الذي يجرى على العبد بغير اختياره كالمرض والجوع والعطش ونحوها فهو فوق وقوعه على المرء بغير اختياره قد يقع الصبر عليه من البار والفاجر، أما الابتلاء بمخالفة المرء لنفسه وطبعه فهو يقع منه اختيارًا، ومن أجل ذلك كان صالحو البشر أفضل من الملائكة؛ لأن الملائكة عبادتهم بريئة عن شوائب دواعي النفس والشهوات.

وأما عبادات البشر فمع منازعات النفوس وقمع الشهوات ومخالفة دواعي النفس والطبع فكانت أكمل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت