وبلغ هذا الموقف من الكمال مبلغًا عظيمًا في موقف يوسف، عليه السلام، من امرأة العزيز، وكان له أسوة في أبيه الأول إبراهيم، عليه السلام، ولا يكون هذا ليوسف إلا على رأي جمهور المفسرين، ومن هنا فالذين ينفون عن يوسف مطلق الهم يسلبون الصديق هذه المنزلة العظيمة التي وقعت له بمخالفة دواعي النفس والطبع، وكذلك الذين يقولون: إنه هم بضربها.
أما الذين أثبتوا ليوسف همًّا مشابهًا لهم المرأة فهؤلاء لم يفطنوا لأسلوب القرآن وسياقه السابق واللاحق الذي يؤكد براءة يوسف، عليه السلام، من مشابهة المرأة في همها بأي حال من الأحوال، وإليك أخي القارئ ذلك:
1 -قوله: (مَعَاذَ اللَّهِ) ؛ فهذا يوسف، عليه السلام، لحظة الفتنة وفي عنفوانها كان قوله: (مَعَاذَ اللَّهِ) بعد أن دعته هي لنفسها دعوة صريحة.
2 -شهادة المرأة نفسها، حيث قالت: (وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ) [يوسف: 32] .
3 -اعتراف الشاهد في قوله تعالى: (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ) [يوسف: 26] .
4 -وشهادة زوج المرأة (العزيز) إذ قال لزوجه: (وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ) [يوسف: 29] ، بينما قال ليوسف: (أَعْرِضْ عَنْ هَذَا) [يوسف: 29] .
5 -وقد شهد إبليس ليوسف مع من شهد له، وذلك مفهوم من قوله الذي حكاه الله عنه في قوله سبحانه: (قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(39) إلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) [الحجر: 39، 40] .
6 -وهنا نأتي لأكبر شهادة وأشرف شهادة وأعظم شهادة، وهي تكفي عن غيرها، وهي شهادة الله رب العالمين في الآية التي معنا في هذه الحلقة، وهي قوله تعالى عن يوسف: (إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِين) .
فهذه أولًا: شهادة الله.