يقول ابن كثير في (فضائل القرآن) عند ذكر جمع أبي بكر للقرآن: وهذا من أحسن وأجل ما فعله الصديق، رضي الله عنه؛ فإنه أقامه الله تعالى بعد النبي صلى الله عليه وسلم مقامًا لا ينبغي لأحد من بعده؛ قاتل الأعداء من مانعي الزكاة والمرتدين والفرس والروم، ونفذ الجيوش وبعث البعوث والسرايا، ورد الأمر إلى نصابه بعد الخوف من تفرقته وذهابه، وجمع القرآن العظيم من أماكنه المتفرقة حتى تمكن القارئ من حفظه، وكان هذا من سر قوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر: 9] ، فجمع الصديق الخير وكف الشر، رضي الله عنه وأرضاه.
ثم ساق حديث علي بن أبي طالب، رضي الله عنه: (أعظم الناس أجرًا في المصاحف أبو بكر، إن أبا بكر كان أول من جمع القرآن بين اللوحين) . انتهى.
أعني أن القرآن نقل من يوم نزوله بطريقين: الكتابة، والأداء، فتنبه عمر لما حدث في طريق الأداء عند قتل كثير من الحفاظ من الصحابة، فأشار على الصديق، رضي الله عنه، بجمع المكتوب في مصحف واحد، فكان ذلك الإلهام من فضل الله حفظًا لكتابه؛ لأنه القائل: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) ، فإن الله سبحانه الذي تولى حفظ القرآن جعل الحفظ والكتابة من أهم عوامل حفظه، فإذا فتر أحدهما قوى الله الآخر.
فانظر إلى الحافظة عند العرب كانت قوية، والكتابة ضعيفة، فقوى الله سبحانه الكتابة، بتقوية وسائلها رويدًا رويدًا من أقلام وأوراق وأحبار وطباعة، ثم قوى الحافظة، حيث أظهر الحافظة الصناعية في المسجلات وغيرها، فالحافظ هو الله سبحانه الذي تولى حفظ القرآن وجعل له وسائل كثيرة: (وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) [النحل: 8] .