وكان بداية ذلك كله إلهام الله تعالى لعمر فيما أشار به على الصديق، رضي الله عنه، وتصديق ذلك في (صحيح البخاري) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنه كان فيما مضى قبلكم من الأمم مُحدَّثُون، وإنه إن كان في أمتي هذه منهم فإنه عمر بن الخطاب) ، فكان هذا من الإلهام المبكر الذي أُلهم به عمر دون غيره من الصحابة.
ولهذا فإن أبا بكر امتنع أولًا، ثم راجعه عمر، حتى تبين من المراجعة وبسط الحجج أن ذلك هو الصواب لنعلم أن الصحابة، رضوان الله عليهم، قد أقام الله بهم الدين، فاجتهدوا ليوافقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل شيء، فالرسول صلى الله عليه وسلم أمر بالقرآن فكتب مفرقًا في الرقاع والعسب وغيرها، ولكن يمنع كتابته في مصحف واحد أنه ينزل منجمًا، وأن النسخ يأتي على بعض آيات منه، فلا يصلح الجمع إلا بعد التمام بانقطاع الوحي، ولا يكون ذلك إلا بعد موته صلى الله عليه وسلم.
ومن فضل الله أن كان إلهام ذلك لعمر، رضي الله عنه، ولو كان الإلهام لأبي بكر لصار أمرًا من الخليفة، فيطاع بغير حوار، فلا يظهر اجتهاد الصحابة وسعيهم لموافقة ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذلك الاجتهاد الذي يشعر كل مسلم بعد ذلك أن الصحابة اجتهدوا ليوافقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل شيء مهما كان ظهوره وجلاؤه.