وإذا سلمنا أن الماديات من علوم وصناعات وغيرها من البضائع تستورد من أمم سبقتنا في هذا المضمضار، فإنه مباح لنا الاستفادة من أمور لم تكن محرمة في ديننا، لكن المحرم هو أن نستورد منهم فكرًا يخالف فكرنا وديننا، ذلك أن فكرنا المستمد من تعاليم ديننا ثابت وراسخ، ويجب علينا أن ندعوهم إليه: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ) [الزخرف: 44] ، أما فكرهم فيدور في حلقة الماديات والمطامع والإفساد، وقد أخبر الله عن أصحاب الماديات بقوله الكريم: (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) [الروم: 7] ، فمثل هؤلاء لا نأخذ من فكرهم إلا ما يدور في حلقة علمهم بما نحتاجه، ونستبعد غيره لما لدينا من تحذير منه؛ بالتحريم أو بمدخل في المداخل الموصلة إلى المساس بديننا وتقاليدنا؛ لأن القاعدة الأصولية: أن كل ما يتوصل به إلى المحرم فهو حرام، وقاعدة سد الذرائع مأمور بها المسلم، حتى لا ينفتح الباب المفضي إلى الأمور المحرمة، أو الداعية إلى الفساد والإفساد؛ لأن الإسلام إنما ينقض عروة عروة، والتساهل في الصغائر يجر إلى الكبائر، كما جاء في الحديث الصحيح: (إياكم ومحقرات الذنوب) .
ولذا فإن تبني الأفكار كهذه الوافدة من وراء الحدود، مهما كان غلافها ودعوة أصحابها، الذي من أبرز ما فيها: إشاعة التكفير، وتجهيل العلماء، والخروج على ولاة الأمور، وغير ذلك، ثم الاهتمام بها في المجتمع الإسلامي، أمر يجب رفضه، وينبغي ردها لأصحابها بإبانة أخطائها، إذ لو كانت خيرًا لحققت لأصحابها فوائد، ولكنها فتات أفكار ملها المتصارعون فأزاحوها عن موائدهم، وذبذبات فكرية مستمدة من أقوال بشرية يناقض بعضها بعضًا، وقد أخبر الله عن مثل هذا الأمر الذي يجب نبذه بقوله الكريم: [النساء: 82] .