والثاني: أن يكون في حال الضيق، بأن يدخل البلد قافلة فيتبادر ذوو الأموال فيشترونها ويضيقون على الناس، فأما إن اشتراه في حال الاتساع والرخص على وجه لا يضيق على أحد فليس بمحرم.
وفي (صحيح مسلم) عن معمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من احتكر فهو خاطئ) ، وفي رواية: (لا يحتكر إلا خاطئ) .
قال النووي: هذا حديث صريح في تحريم الاحتكار - ثم عرفه بقوله: هو أن يشتري الطعام في وقت الغلاء للتجارة، ولا يبيعه في الحال، بل يدخره ليغلو ثمنه، فأما إذا جاء من قريته أو اشتراه في وقت الرخص وادخره وابتاعه وقت الغلاء لحاجته إلى أكله أو ابتاعه ليبيعه في وقته، فليس باحتكار، ولا تحريم فيه، وأما غير الأقوات فلا يحرم الاحتكار فيه بكل حال.
قال العلماء: والحكمة في تحريم الاحتكار دفع الضرر عن عامة الناس، كما أجمع العلماء على أنه لو كان عند إنسان طعام واضطر الناس إليه ولم يجدوا غيره أُجبر على بيعه دفعًا للضرر عن الناس.
وقال المازري في (المعلم) : أصل هذا مراعاة الضرر، فكل ما أضر بالمسلمين وجب أن ينفى عنهم، فإذا كان شراء الشيء بالبلد يغلي سعر البلد ويضر بالمسلمين منع المحتكر من شرائه، نظرًا لحق المسلمين عليه، كما قال العلماء: إنه إذا احتيج إلى طعام رجل واضطر الناس إليه، ألزم ببيعه منهم، فمراعاة الضرر هي الأصل في هذا.
قال الخطابي في (معالم السنن) : الاحتكار كرهه مالك والثوري في الطعام وغيره من السلع، قال مالك: يمنع احتكار الكتان، والصوف، والزيت، وكل شيء أضر بالسوق، إلا أنه قال: ليست الفواكه من الحكرة، وقال أحمد: ليس الاحتكار إلا في الطعام خاصة لأنه قوت الناس.
قال صديق حسن خان: والتصريح بلفظ الطعام في بعض الروايات لا يصلح لتقييد بقية الروايات المطلقة؛ لأن نفي الحكم عن غير الطعام إنما هو لمفهوم اللقب، وهو غير معمول به عند الجمهور، وما كان كذلك لا يصلح للتقييد على ما تقرر في الأصول.