ترك المسلمون كثيرًا من شعب الإيمان، وتركوا الجهاد، فقوي عدوهم، وغلبهم على أمرهم، وليتهم فعلوا كما يفعل المصروع يقوم من سقطته ليجمع قواه ويكر على من صرعه، ولكن كان منهم من آخى العدو وصادقه، بل وأضمر له المحبة، والله سبحانه يقول: (لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً) [آل عمران: 28] ، إلا إذا كنتم في سلطانهم فخفتم منهم شيئًا على أنفسكم، فلكم أن تظهروا لهم المحبة من غير أن تضمروها، حتى إذا نجوتم عدتم إلى مناوأتهم، ومعاداتهم، حذر الله المؤمنين نفسه إذا صادقوا عدوه أن يسلبهم ما هم فيه من نعمة، فيبدل حالهم؛ من قوة إلى ضعف، ومن عز إلى ذل، وقد كان الضعف وذهاب المجد والشوكة كما ترون حينما عصوا أمره: (وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) [آل عمران: 117] ، (قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ) [آل عمران: 29] ، من حب لأعداء الله: (أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [آل عمران: 29] ، يجمع بين العلم الشامل والقدرة التامة، فليكن أشد رهبة في صدوركم ممن لا يعلم شيئًا إلا أن يُعلمه، ولا يقدر على شيء إلا أن يشاء الله.
أيها المؤمن: خف الله واليوم الآخر: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ) [آل عمران: 30] ، لم ترجع عنه ولم تندم عليه (تَوَدُّ) عند رؤية أعمال السوء مسطرة في كتابها: (لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا) [آل عمران: 30] لتصلح من حالها، ولكن هيهات.