والمرتبة الرابعة: هي هداية الوحي؛ وهي التي تصحح خطأ العقل وتنفي وهم الحواس، وترسم الطريق إلى ما لا سبيل للعقل أن يصل إليه وحده، وترفع الخلاف فيما لا يمكن أن تتفق عليه العقول: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَءَامَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [البقرة: 213] ، والإيمان بالنبوة والرسالة يتضمن في حناياه معاني جديدة، فمعناه الإيمان بحكمة الله البالغة، ورحمته الواسعة، فحكمة الحكيم، ورحمة الرحيم، هما اللتان اقتضتا ألا يترك الناس سُدًى، وألا يعذبوا قبل البلاغ والتبشير والإنذار، وألا يُتركوا للخلاف يأكلهم دون حكم يرجعون إليه: (أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى) [القيامة: 26] ، (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) [الإسراء: 15] .
ومعناه الإيمان بوحدة الدين عند الله، وأنه دين الله في جميع الأماكن والأزمان واحد لا يتغير، وإن تعددت المناهج والشرائع باختلاف الأعصار: (قُولُواءَامَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) [البقرة: 126] .