ويصور رسول الإسلام موقفه من الأنبياء قبله؛ أنه ليس إلا اللبنة الأخيرة في هذا الصرح الكبير، فيقول: (مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بني بيتًا فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه، فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له، ويقولون، هلا وضعت هذه اللبنة؟ فأنا تلك اللبنة، وأنا خاتم النبيين) .
ومعناه الإيمان بمثل عليا إنسانية واقعية، وقدوات بشرية ممتازة، استطاعت أن تجعل من مكارم الأخلاق وصوالح الأعمال، وفضائل النفوس حقائق واقعة، وشخوصًا مرئية للناس، لا مجرد أفكار في بعض الرءوس، أو أماني في بعض النفوس، أو نظريات في الكتب والقراطيس، وجمهور الناس ليسوا فلاسفة يؤمنون بالمجردات، وإنما يؤمنون وينفعلون بما يُشاهدون وما يحسون، لهذا جعل الله الرسل إلى الناس بشرًا مثلهم، لا ملائكة من غير جنسهم؛ لأن الإنسان لا يأنس إلا لمثله، ولا يقتدي إلا بمثله، ولا تقوم عليه الحجة إلا به، وقد استبعد المشركون أن يكون الرسل بشرًا، وقالوا منذ عهد نوح: (لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً) [فصلت: 14] ، وقالوا في عهد محمد صلى الله عليه وسلم: (أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا) [الإسراء: 94] ، فرد الله عليه بقوله: (قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا) [الإسراء: 95] ، فالأنبياء ليسوا آلهة وإنما هم بشر مثلنا، منَّ الله عليهم بنعمة الوحي ليبلغوا رسالة الله إلى الناس.
الإيمان بالآخرة: كيف يسيغ العقل أن ينفضَّ سُوق هذه الحياة وقد نهب فيها من نهب، وسرق فيها من سرق، وقتل فيها من قتل، وبغى فيها من بغى، وتجبر من تجبر، ولم يأخذ أحد من هؤلاء عقابه، بل تستر واختفى، فأفلت ونجا، أو تمكن من إخضاع الناس له بسيف القهر والجبروت!!