وأخطر ما بلغه إيجاد مجتمعات خالية من فضائل العقيدة وروابطها، والويل لأمة تمارس شئونها المختلفة، وأمرها فرط وقلبها خرب، وعقلها هواء.
وربما كانت سنة الله في الأولين تخويفهم بالخوارق حتى يرعوا، ورفع الجبال فوق رءوسهم كي يزعجهم فيستقيموا ولكن الله لم يرفع جبال (البرانس) فوق عرب الأندلس حتى يدعوا مجونهم وفجورهم فإنه ترك بين المسلمين كتابًا يقول لهم: (من يعمل سوءًا يجز به) .
فلا جرم أن يطردوا من ديار لم يحسنوا الخلافة عند الله ورسوله فيها!!
إن القرآن الكريم صارم الحكم على أبنائه وأعدائه جميعًا، وعندما زعم أهل الكتاب السابقون أن الجنة حكر لهم مهما كانت أعمالهم كذب الله هذه الأوهام، وكشف أنه لا يستحق كرامته إلا من اتجه إليه بالعمل الحسن (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) .
فإذا كان العرب لا يولون وجوههم شطر دينهم ولا يتحرون إحسانًا في أمورهم فهل يتوقعون إلا المخاوف والأحزان؟
في الأمم الجديرة بالحياة والنصر يؤدي الواجب برغبة باطنة، ودقة ظاهرة وينطلق الكبار والصغار إلى وظائفهم وحرفهم بباعث من الشوق، لا يسوط الرهبة، وبتنافس المتنافسون في إحسان ما بأيديهم ابتغاء وجه الله ومثوبته وإخلاصًا للأمة، ومستقبلها قبل أن يكون شيء من ذلك نظير قروش أو جنيهات.
وقد كان العرب الأولون تمشيًا مع تربيتهم الدينية الأصيلة نماذج رائعة في هذه الميادين، فلما شبت الأجيال الأخيرة في غير منابتها وأعوزها معنى الإيمان والشرف في حركتها وسكونها، خانها التوفيق في الحرب والسلم، في الداخل والخارج!!
وما أشك في أن العرب يتعرضون لعذاب الاستئصال إذا لم يأخذوا الإسلام بقوة ويذكروا ما فيه لعلهم يتقون.