ولو أن النفس اضمحلت حظوظها عند مرادات الله ورسوله لما تكبرت، ولتواضعت للخلق وأخبتت للحق، فالكبر صار علامة على تمكن الهوى من نفس صاحبه.
وللكبر مظاهر وأعراض؛ منها غمط الناس ورد الحق، ومنها؛ أنه يحب أن يزار ولا يزور، وأن يُثني عليه ولا يَثني على أحد، وأن يكون متبوعًا لا تابعًا، وأن يتعلم الناس منه، ولا يتعلم من أحد، وأن ينصح للناس، ولا يقبل النصيحة من أحد.
5 -عدم الرجوع إلى الحق عند ظهوره؛ قال الله عز وجل: (فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ) [القصص: 50] ؛ فكان إعراض المشركين بسبب الهوى.
ومثل ذلك قول الله تعالى: (لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ) [المائدة: 70] .
وأخطر أحوال عدم الرجوع إلى الحق حين يكون ذلك في مجالات العلم؛ فيعظم على المنتسب إلى العلم أن يرجع عن قول قال به، أو أن يعيد النظر في مسألة قررها خوفًا على جاهه ومكانته عند العامة الذين لا يعذرون العالم إذا أعاد النظر في فتواه.
ولعلك تلحظ أن العالم كلما زاد رسوخًا كلما كان أقرب إلى الرجوع عن بعض آرائه وفتاواه؛ لأن العلم يتجدد والمدارك تتسع مع المناظرة والمخالطة، ويظل حتى وهو إمام الدنيا وجبل العلم يبحث عن العلم ويناظر العلماء؛ فيثمر ذلك تغير في بعض آرائه.
وتأمل ذلك في أحوال الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وفحول العلماء بعدهم؛ كيف إن الواحد منهم يروى عنه في مسألة واحدة قولان أو أكثر، وهذا يكون منهم في مسائل كثيرة، ومعظم هذا الاختلاف إنما هو من تغير الرأي لا من الخطأ في النقل.