فهرس الكتاب

الصفحة 892 من 18318

إن كبار الصوفية يكفرون بالبعث وبالجزاء لأنهم يكفرون بالألوهية والربوبية. وإن حاولوا الصراخ والعويل، فإيمانهم بالوحدتين الوجودية والدينية يدمغهم، رضوا أم سخطوا بما قلناه. ولذا تأول زعماؤهم كل ما ورد عن الجزاء الأخروي وعن الآخرة بمعناها الديني الصحيح، فجعلوا العذاب من العذوبة والقيامة عودة الإله من حيث كان قبل اليقين الأول في الحقيقة المحمدية.

إن الإيمان بما ذهب إليه الصوفية من وحدة الأديان سماويها ووضعيها، صحيحها وزائفها - أمر مؤسف حقا - وإلا فكيف تشمل الوحدة جماعة أربابها متفرقون؟

كيف يشمل الإخاء قلبًا يعبد الله وآخر يعبد الصنم؟ كيف يشمل الحب مؤمنا مخبتا لله الذي يأمره بمجانبة الشرك والوثنية، وآخر يعبد هواه المصور في صنم أو عجل أو بهاء؟ كيف يتوحد العالم وليست هنالك وحدة تشمل آلهته المعبودة في قلوب العابدين.

إن المؤمن بإله يعمل بما شرعه له ذلك الإله أو بما شرعه الزاعمون أنهم وسطاء له، ولا ريب في أن هناك تباينًا بعيدًا وتناقضًا بينًا في تلك الشرائع، وتبعًا لهذا تتباين الأعمال والأخلاق والعقائد.

أتكفي الإنسانية وحدها لتكون رباطًا يربط هذه القلوب؟ من ذا الذي سيزيل كل مظاهر التفرقة بين أفراد النوع الإنساني، والأديان السماوية في سموها وجلالها ودأبها وسعيها الملح، لم تزل تلك التفرقة في الواقع رغم أنها حاولت ذلك في كل زمن، وتسلحت بالحق والصبر والعزيمة والهدى والنور.

فالدارس للتاريخ يجد أن العالم كله لم يجتمع يومًا على كلمة واحدة.

هذا هو الشأن مع الأديان السماوية، فكيف مع القوانين الوضعية؟

إن الدين أيًا كان له قوة هائلة تدفع إلى التضحية الهائلة معتنقيه، ومع ذلك كله فلم يجمع العالم حتى اليوم دين واحد ولا حب واحد، الناس شأنهم دائمًا مع الدين (فريق في الجنة وفريق في السعير) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت