سادسًا: من قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ) : أصبح يوسف، عليه السلام، أمام أحد الخيارين؛ إما السجن، وإما الفاحشة، ماذا يختار يوسف؟ أيختار الفاحشة التي ستفتح أمامه أبواب اللذة والمتعة، والجاه والراحة، فإن التي تراوده تملك المال والجاه والجمال، وستمنح يوسف ما يريد وفوق ما يريد، إن هو وافق على ما تريد، فهل يوافق على مطلبها أم يختار السجن؟ لا شك أن يوسف، عليه السلام، قد أعلن دون تردد اختيار السجن على ما فيه من مشقة، ليس حبًّا في السجن، ولكن هروبًا من الفاحشة، اختار يوسف، عليه السلام، عاجل العقوبة على لذة الوصال المحرم، ثم تبرأ إلى الله من حوله وقوته، وأخبر أنَّ الصرف عن الفاحشة لا يكون إلا بمعونة الله له وتوفيقه سبحانه وتأييده لا من نفسه.
قال ابن القيم، رحمه الله، تعليقًا على هذه الآية: (فلا يركن العبد إلى نفسه وصبره وحاله وعفته، ومتى ركن إلى ذلك تخلت عنه عصمة الله، وأحاط به الخذلان) . اهـ.
ويقول العبد الفقير: إذا كان هذا الدعاء وهذا اللجوء من يوسف، عليه السلام، على ما كان عليه من صبر وعفة وصدق وإخلاص، فما بال الذين لا يملكون معشار ما كان يملك يوسف من الصبر أو العفة أو العصمة، نسأل الله التوفيق، ونعوذ بالله من الخذلان.
وللمسلم أسوة حسنة في رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي كان الدعاء ديدنه، وكان أكثر دعائه قوله: (يا مقلب القلوب، ثبت قلوبنا على دينك) ، وكان دائم الاستعاذة بالله من شرِّ النفس وسيئات الأعمال.
وأختم هذه الفائدة بنقل كلام نفيس للإمام ابن تيمية، رحمه الله، في (مجموع الفتاوى) - تفسير سورة (يوسف) - (جزء 15) : (في الآية عبرتان:
الأولى: اختيار يوسف السجن والبلاء على الذنوب والمعاصي.