فإن من حِفظ الله لهذا الدين؛ هَتْكُ من يَكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال السخاوي، رحمه الله، ولعل سائلًا يسأل: لِمَ يتعالم أحدهم فيخرق (الإجماع) ، ويطعن الآخر في الصحابة، وغيره في الأحاديث الثابتة التي أفنى الجهابذة الأثبات من علماء الأحاديث أعمارهم في خدمتها والذب عنها، ويتطاول آخر على أئمة الحديث كالبخاري ومسلم؟! ولم يحرص أحدهم على أن يُحدِّث الناس بما لم يسمعوا هم ولا آباؤهم؟! لِمَ يتفيهق هذا، ويتشدق الآخر بالغريب المهجور؟ ولم يخوض أحدهم في مسائل لو عَرَضَتْ لعمر بن الخطاب، رضي الله عنه، لجمع لها أهل بدر يستشيرهم؟ ولم ينتقص الآخر العلماء ويزدري أعمالهم، بل لِمَ يجري أحدهم ويلهث خلف الأقوال الساقطة عند العلماء؟
إنه داء (اعرفوني) ، كما قال عليٌّ بن أبي طالب، رضي الله عنه، فعن سعيد بن أبي الحسن أنه لقي أبا يحيى المعرقب، فقال له: من الذي قال له: (اعرفوني؟ ) قال: ذاك يا سعيد، إني أنا هو، قال: ما عرفت أنك هو، قال: فإني أنا هو، مرّ بي علي، رضي الله عنه، وأنا أقص - أي: أعظ الناس - بالكوفة، فقال لي: من أنت؟ فقلت: أنا أبو يحيى، فقال: لست بأبي يحيى، ولكنك تقول: (اعرفوني، اعرفوني) ، ثم قال: هل علمت الناسخ من المنسوخ؟ قلت: لا، قال: هلكت وأهلكت، فما عدتُ بعدُ أن أقصَّ على أحد.
وقال ابن عون لشعبة بن الحجاج: يا أبا بسطام، ما يحمل هؤلاء الذين يكذبون في الحديث على الكذب؟ قال: (يريدون أن يُعظَّموا بذلك) .
نعم، إنهم يطلبون التكثر والظهور، لبسوا لباس الحديث وهم عنه بمعزل، ولبسوا لباس الفقه والبونُ شاسع، ركبوا مطايا الخير للشر!!