وفي الحديث النهي الصريح عن الاكتحال للمرأة في حدادها، ولو كان علاجًا لمرض أصاب عينها، وإنما ذلك ليس منعًا من التداوي، ولكنه منع من التزين؛ لأن الكحل يجمع بين التداوي والزينة، وغير الكحل يمكن أن يحدث منه الدواء بدون زينة؛ لذا جاء النهي الصريح عن الاكتحال في حدادها.
ففي الجاهلية كانت المرأة في حدادها لا تمس ماءً، ولا تقلم ظفرًا، ولا تزيل شعرًا، ثم تخرج بعد الحول بأقبح منظر، ثم تفتض بدابة أو طائر - أي: تحك جلدها به - فيموت من وسخ جسمها الذي انتقل إليه.
وفي حديث سبيعة جاء: (فلما تعلت من نفاسها تجملت للخطاب، فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك - رجل من بني عبد الدار - فقال لها: ما لي أراك تجملت للخطاب، ترجين النكاح ... إلخ) .
(تعلت من نفاسها) : لفظة تحتمل: طهرت من نفاسها، وتحتمل بمعنى: استعلت من ألم نفاسها؛ أي بدخولها فيه، والراجح هنا الثاني؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أفتاها إذا وضعت أن تنكح إن شاءت، وفي رواية: (حللت حين وضعت حملك) .
يقول ابن حجر: يجوز العقد عليها إذا وضعت ولو لم تطهر من دم نفاسها، وبه قال الجمهور، ومنه قول ابن شهاب عند مسلم: ولا أرى بأسًا أن تتزوج حين وضعت، وإن كانت في دمها، غير أنه لا يقربها زوجها حتى تطهر.
وظاهر القرآن في قوله تعالى: (أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنّ) [الطلاق: 4] علق الحل على الوضع، وقصره عليه، ولم يقل: إذا طهرت، ولا إذا انقطع دمك، فصح ما قاله الجمهور.