فهرس الكتاب

الصفحة 9035 من 18318

وفي حديث ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إني أحدث نفسي بالأمر لأن أكون حممة أحب إليَّ من أن أتكلم به، قال: (الحمد لله الذي رد أمره إلى الوسوسة) .

وفي حديث أبي داود عن أبي هريرة قال: جاء أناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه، فقالوا: يا رسول الله، إنا نجد في أنفسنا الشيء يعظم أن نتكلم به ما نحب أن لنا الدنيا، وأنَّا تكلمنا به، فقال: (أو قد وجدتموه؟ ذاك صريح الإيمان) .

وليس المراد أن الوسوسة نفسها صريح الإيمان، بل إن هذه الوسوسة من الشيطان وكيده، لكن صريح الإيمان هو الذي يجعلهم يتعاظمون ذلك، ويمنعهم من قبول ما يلقيه الشيطان في نفوسهم.

وانظر كيف أن العلاج من ذلك ألا تجيبه ولا ترد عليه؛ لأنك إن رددت عليه استهواك وأوقعك، فإما أن يضيع وقتك الذي هو رصيدك لعمل الصالحات، وإما أن يجعلك في شكوك وشبهات لا تتخلص منها.

ومما ذكره ابن حجر قال الخطابي: وجه هذا الحديث أن الشيطان إذا وسوس بذلك فاستعاذ الشخص بالله منه وكف عن مطاولته في ذلك اندفع، قال: وهذا بخلاف ما لو تعرض أحد من البشر لذلك، فإنه يمكن قطعه بالحجة والبرهان، قال: والفرق بينهما أن الآدمي يقع منه الكلام بالسؤال والجواب، والحال معه محصورة، فإذا راعى الطريقة وأصاب الحجة انقطع، وأما الشيطان فليس لوسوسته انتهاء، بل كلما ألزم حجة زاغ إلى غيرها، إلى أن يفضي بالمرء إلى الحيرة، نعوذ بالله من ذلك.

(وقال) : على أن قوله: (من خلق ربك) كلام متهافت ينقض آخره أوله؛ لأن الخالق يستحيل أن يكون مخلوقًا، ثم لو كان السؤال متجهًا لاستلزم التسلسل وهو محال، وقد أثبت العقل أن المحدثات مفتقرة إلى محدث، فلو كان هو مفتقرًا إلى محدث لكان من المحدثات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت