فهرس الكتاب

الصفحة 9048 من 18318

الثالثة: مع قوله تعالى: (قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) [يوسف: 36] :

وهنا أخذ الفتيان يقص كلاهما رؤياه على يوسف، عليه السلام، وقد دفعهما إلى ذلك ما لاحظاه على يوسف، عليه السلام، من أمارات الإحسان، مَظْهرًا ومَخْبرًا، مما جعلهما يحسنان الظن به، ويلتمسان عنده العلم بتعبير الرؤيا، كما أنه يبدو أنهما كانا من أصحاب الفطر السليمة، حيث فَطِنا إلى سلوك يوسف، عليه السلام، وإحسانه.

الرابعة: مع قوله تعالى: (قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ(37) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَءَابَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ) [يوسف: 37، 38] :

نحن الآن أمام موقف من مواقف الدعوة إلى الله يقوم بها يوسف، عليه السلام، في السجن، ولم يثنه السجن عن قيامه به، وهكذا سلوك أنبياء الله وأوليائه، فغايتهم الأولى الدعوة إلى الله، وتسمو هذه الغاية على كل غاية، وترتفع فوق ما يصيبهم من محن، بل بسببها يلاقون أشد المحن، فلا يبالون بها، وتظهر هنا براعة يوسف، عليه السلام، في الدعوة وحسن توظيفه لإمكاناته، وحكمته في اختيار الأسلوب المناسب، ومراعاة مقتضى الحال.

فهو لم يُجب السائلين لطلبهما مباشرة، بل اهتم أولًا بتصحيح اعتقادهم، فصلاح الاعتقاد أصل سعادة المرء وصلاح المجتمع في الدنيا، والعاقبة الحسنة في الآخرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت