لا شك أن الذين استقبلوا العرب في دخول بلادهم، سمعوا أولًا عن دين العرب، وأنه يقطع يد السارق، لا فرق بين شريف ووضيع، وأنه يمنع الخمر ويحض على الفضيلة وأنه دين كأرقى ما تكون الأديان ومدنية كأرقى ما تكون المدنيات، وقد كان أهل هذه البلاد المفتوحة جميعًا، في نظر سادتنا المدافعين عن الخمر أهل مدنيات وتقدم وتطور لا يصل العرب إليها. ولكن أهل تلك البلاد دون الفطرة، وبروح التجربة، رأوا أن ما عليه العرب إنما هو المدنية والديمقراطية كأرقى ما تكون المدنيات، وحياة الديمقراطية والمساواة، وأن ما هم فيه من حياة حكامهم من الفرس والروم إنما هو الانتكاسة بعينها وهو الهمجية والوحشية التي لا يليق بالإنسان كإنسان، ومن أجل هذا نجح آخر طراز في عالم المدنيات والأديان، على ذلك الطراز الذي رث وبلى من نظام حكم الفرس والروم وما كانوا فيه من عقائد أو ضلالات باطلة، لا تمت إلى الدين، ولا إلى المدنية بصلة.
وإذا كانت هذه الفطرة المستقيمة سببا من أسباب انتشار الدين الإسلامي وقضائه على دولتي الفرس والروم في سنين معدودات فإن هذه الفطرة أيضًا قد نادت قديما بتحريم الخمر في شريعة وضعية هي شريعة الهندوس وبالغت في تحريمها بأقوى صورة وأشد تنفير فطالبت من يشربها أن يعيد شربها ثانية (حارة حتى تحترق أمعاؤه بها فيموت ليكفر عن إثم شربها) ، (أو أن يشرب بول البقر أو ماء، أو لبنًا، أو سمنًا حارًا حتى يموت) .
كذلك فإن هذه الفطرة المستقيمة رأيناها في العرب، قبل أن يأتيهم الرسول صلى الله عليه وسلم بتحريمه فالوليد بن المغيرة أيضًا كان يعف عن شربها ويكره أن يرى سكرانًا.