فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ولو احتكمنا إلى مقياس المنفعة وحدها، ورضينا منطق الذين لا يعتنقون فكرة إلا لمصلحة، ولمصلحة دنيوية فحسب ... لوجدنا الدين - مع هذا - ثقيل الميزان، مبين السلطان، فقد أثبت التاريخ والاستقراء لحياة البشر أن الدين ضرورة لا غنى عنها؛ ضرورة للفرد ليطمئن ويسعد، وتزكو نفسه، وضرورة للمجتمع ليستقر ويتماسك، ويرتفع ويرتقي.
والفرد بغير دين ولا إيمان ريشة في مهب الريح، لا تستقر على حال، ولا تعرف لها وجهة، ولا تسكن إلى قرار مكين .. الفرد بغير دين ولا إيمان إنسان ليس له قيمة ولا جذور، إنسان قلق متبرم حائر، لا يعرف حقيقة نفسه، ولا سر وجوده، ولا يدري من ألبسه ثوب الحياة، ولماذا ألبسه إياه، ولماذا ينزعه عنه بعد حين؟ ! وهو بغير دين ولا إيمان: حيوان شره، أو سبع فاتك، لا تستطيع الثقافة والقانون - وحدهما - أن يحدَّا من شراهته، أو يقلما أظفاره.
والمجتمع بغير دين ولا إيمان مجتمع غابة، وإن لمعت فيه بوارق الحضارة، والحضارة والبقاء للأشد والأقوى، لا للأفضل، ولا للأتقى، مجتمع تعاسة وشقاء، وإن زخر بأدوات الرفاهية، وأسباب النعيم، مجتمع تافه رخيص؛ لأن غايات أهله لا تتجاوز شهوات البطون والفروج، فهم: (يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ) [محمد: 12] .
والعلم المادي وإن امتد رواقه، واتسعت ميادينه، ليس بمستطيع أن يحقق الطمأنينة والسعادة للناس؛ لأن العلم يُرقي الجانب المادي للحياة، فيختصر الشقة البعيدة، والزمن الطويل، إلى مدة أقصر، ولهذا سموا عصرنا هذا: عصر السرعة، أو عصر التغلب على المسافات.
ولكن هل يستطيع أحد أن يسميه عصر الفضيلة، أو عصر الطمأنينة، أو عصر السعادة للبشر؟ إن العلم هيأ للإنسان الحديث وسائل الحياة، ولكنه لم يهده إلى غاياتها ... إنه زيّن له ظاهرها، ولكنه لم يصله بأعماقها، وما أتعس الإنسان، إذا أغرقته الوسائل، فذهل عن الغايات، وإذا شغل بالسطح عن القاع، وبالقشر عن اللباب.