فلا تتمن ما عند غيرك من الخير، فلكل نصيب مما كسبوا، الرجال والنساء على حد سواء، بعضهم من بعض، ولكن اسأل الله من فضله كما أمرك، فإن خزائنه ملأى لا تنفد مهما أعطاك وغيرك، كما قال تعالى في الحديث القدسي: (يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيت كل واحد ما سأل، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر) (2) ، وما أمرك الله بالسؤال إلا ليعطيك، فاسأل الله من فضله، ولا تحسد أحدًا على ما آتاه الله من فضله، فإن الحسد من أمهات الكبائر؛ لأنه يحمل على الكذب، والمكر، والحيلة، والخديعة، وأكل أموال الناس بالباطل، وسفك الدماء البريئة، أو ليس قد قتل قابيل هابيل حسدًا، أو ليس قد قال إخوة يوسف: (اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ) [يوسف: 9] ، ألم يحتالوا على أبيهم حتى تمكنوا من أخذ يوسف أخيهم؟ ألم يلقوه في الجب ويكذبوا على أبيهم: (وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ(16) قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْب) [يوسف: 16، 17] .
فالحسد مرض من أخطر الأمراض، والابتلاء به من أشد أنواع الابتلاء، يُبعد صاحبه عن التقوى، ويركبه الأهواء فيضل ويغوى، ويتقطع قلب الحاسد حسرات حين يرى نعمة الله على أخيه، فقاتل الله الحسود؛ لا يحب الخير ولا يأتيه، غاية أمنيته، زوال نعمة الله عن عباده، فهو بهذا سالك مسلك الشياطين، ومتبع سبيل المجرمين، من المغضوب عليه والضالين، فهل وقع إبليس في معصية الله إلا بالحسد؟ وهل منع الكافرين من الإيمان إلا الحسد؟