فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ولا غرو بعد ذلك إذا رأينا أعرابيًا أميًّا من البداة الجفاة، مثل ربعي بن عامر حين باشرت قلبه عقيدة الإسلام، وأضاء فكره آيات القرآن، يقف أمام رستم قائد قواد الفرس، وهو في هيلمانه وأُبهته وسلطانه، غير مكثرث له، ولا عابئ به، وبما حوله من خدم وحشم، وما يتوهج بجواره من فضة وذهب، حتى إذا سأل رستم: من أنتم؟ أجابه هذا الأعرابي في عزة مؤمنة، وإيمان عزيز، إجابة وعاها التاريخ، وقال: نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج الناس من عبادة العباد، إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.
ولا عجب أن تقرأ لشاعر مؤمن يناجي ربه في عبودية عزيزة بالله، متذللة إليه، غنية به، فقيرة إليه، قائلًا:
ومما زادني شرفًا وعزًّا
وكدت بأخمصي أطأ الثريا
دخولي تحت قولك (يا عبادي)
وأن جعلت خير خلقك لي نبيا
إن اعتقاد الإنسان بكرامته التي كرمه الله بها، ومكانه في الملأ الأعلى الذي أحله الله إياه، ومركزه القيادي في هذا الكون، يجعله يشعر بذاته، ويغالي بقيمة نفسه؛ فيعتز بانتسابه إلى الله عبدًا، وارتباطه بكل ما في الوجود له مسخرًا، فيحيا عزيز النفس، عالي الرأس، أبيًّا للضيم، عصيًّا على الذل والهوان، بعيدًا عن الشعور بالتفاهة والضياع والعدم والفراغ، وهذا الإحساس الذي يعيش به المؤمن ليس شيئًا هينًا، ولا بضاعة مزجاة، إنه كسب كبير، ومغنم ضخم للإنسان، كسب له في عالم الشعور والتصور، وفي عالم الواقع والسلوك.