فهرس الكتاب

الصفحة 9304 من 18318

وما أعظم الفرق بين رجلين: يعيش أحدهما وهو يعتقد في نفسه أنه مجرد (حيوان) من فصيلة راقية ليس له قبل حياته جذور، وليس له بعد موته امتداد، وليس له في حياته صلة بالوجود الكبير، أكثر من صلة القرود به، ويعيش الآخر وهو يشعر بأن الكون كله في خدمته، والملائكة الكرام في حراسته، وأن رب الوجود في معيته، وأنه من فصيلة الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وأن الوجود لا ينتهي بالموت، وداره لا تنتهي بالقبر، فإنما خلق موعودًا بالجنة ما استقام على الطاعة وتشبث بالعبودية لله رب الكون كله.

إن هذا الشعور الأصيل الذي بلغ حد الاعتقاد واليقين بمنزلة الإنسان في الكون هو أحد المحاور الرئيسة التي تخالف فيها عقيدة الإسلام التفكير المادي الذي يسود حضارة الغرب اليوم في النظرة إلى الإنسان.

إن المغايرة بين النظريتين تتمثل في أمور جوهرية ثلاثة:

1 -في منزلة الإنسان في هذا الكون.

2 -وفي طبيعته التي فطر عليها.

3 -وفي غايته ووظيفته في هذه الحياة.

فالعقيدة الإسلامية قد حددت منزلة الإنسان في هذا الكون منذ قال الله تعالى للملائكة: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) ، فهو نوع منفرد من مخلوقات الله، ليس بجماد ولا نبات، ولا حيوان، ولا بملاك، ولا بشيطان، إنه مخلوق مكرم فريد مسئول، ولا يقوم وحده في هذا العالم، كما زعم بعض الملحدين، بل يقوم بإرادة رب أوجده وقدره، إله خلقه في أحسن تقويم، وعلمه البيان، ووهب له السمع والبصر والفؤاد، ليس الإنسان عبدًا ولا مقهورًا لشيء في هذا الكون، إلا أنه عبد الله وحده.

هذا في عقيدة الإسلام، أما النظرة المادية فلم تنظر للإنسان على أنه مخلوق كريم أوجده خالق عظيم، كلا. بل هو نبات شيطاني، برز من العدم إلى الوجود وحده، ويعيش وحده، ويموت وحده، وبموته تختم روايته كلها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت