وقد خلق الله هذا الإنسان جسمًا كثيفًا، وروحًا شفافًا، جسمًا يشده إلى الأرض، وروحًا يتطلع إلى السماء، جسمًا له دوافعه وشهواته، وروحًاله آفاقه وتطلعاته، جسمًا له مطالب أشبه بمطالب الحيوان، وروحًا لها حاجات تشبعها العبادة والذكر كالملائكة، هذه الطبيعة المزدوجة ليست أمرًا طارئًا على الإنسان، ولا ثانويًّا فيه، بل هي فطرته التي فطره الله عليها، وأهله بها للاستخلاف في الأرض، منذ خلق آدم خلقًا جميع بين قبضة الطين، ونفخة الروح: (ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ(6) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ) [السجدة: 6 - 9] .
وجاءت عقيدة الإسلام، فلم تحط من الروح من أجل الطين، ولم تغفل حاجة الطين من أجل الروح، بل زاوجت بينهما في وحدة متسقة ملتئمة، وأعطت الروح حاجته، والجسد حاجته، في غير إفراط ولا تفريط.
وعرف التاريخ أديانًا ونحلًا تقوم فلسفتها على إغفال الجانب المادي الجسدي في الإنسان، والعمل على تعذيبه وإضعافه، لينمو الجانب الروحي فيه، ويصفو ويقوى، كالبرهمية الهندية، والرهبانية المسيحية.
وفي مقابل هذا الاتجاه المادي الذي يجحد أن في الإنسان روحًا، أو أن في الكون إلهًا، إذ لا يؤمن إلا بما هو مادي تدركه الحواس وتحكمه التجربة.