فهرس الكتاب

الصفحة 9308 من 18318

وبهذا عاش الإنسان عند هؤلاء نصف إنسان، بل أدنى، عاش للجزء الحيواني فيه فحسب، وأما غاية الإنسان ومهمته في الحياة فلقد بينتها عقيدة الإسلام أوضح البيان، فالإنسان لم يخلق عبثًا، ولم يترك سدى، وإنم خلق لغاية وحكمة، لم يُخلق لنفسه ولم يخلق ليكون عبدًا لعنصر من عناصر الكون، ولم يُخلق يتمتع كما تتمتع الأنعام، ولم يُخلق ليعيش هذه السنين التي تقصر أو تطول، ثم يبلعه التراب ويأكله الدود، ويطويه العدم.

إنه خلق ليعرف الله ويعبده، ويكون مستخلفًا في أرضه، حتى يحمل الأمانة الكبرى في هذه الحياة القصيرة: أمانة التكليف والمسئولية، فيصهره الابتلاء، وتصقله التكاليف، وبذلك ينضج ويعد لحياة أخرى في دار الخلد إلى ما شاء الله.

إنه لنبأ عظيم حقًّا أن يكون هذا الإنسان لم يُخلق لنفسه، إنما خُلق لعبادة الله، يقولون: إن الأحمق يعيش ليأكل، والعاقل يأكل ليعيش، وهذا القول لا يحل العقدة، فإن العيش نفسه ليس غاية، فالسؤال لا يزال قائمًا: ولماذا يعيش الإنسان؟

أما الماديون فقالوا: إنه يعيش لنفسه ومتع دنياه، وأما المؤمنون فقالوا: إنما يعيش لربه الأعلى، ولحياته الباقية الأخرى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ(115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقّ) [المؤمنون: 115، 116] .

وما أعظم الفرق بين الذي يعيش لنفسه، والذي يعيش لربه، بين من يعيش لدنياه المحدودة، ومن يعيش لآخرته، لجنته ودار كرامته.

إن النظرة المادية الملحدة لم تعرف للإنسان غاية؛ لأن الغاية تقتضي قصدًا، والقصد يقتضي قاصدًا، وهي تنكر أن يكون للإنسان يوم خلق قصدٌ، ولهذا فليس للإنسان في نظرها رسالة غير رسالة الكدح وراء العيش، وابتغاء تحسينه؛ لهذا قال بعض الأدباء: (من كانت غايته بطنه وفرجه فقيمته ما يخرج منهما) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت