فلما رأى الملك يوسف وسمع كلامه، وعظمت منزلة يوسف أكثر من ذي قبل في عين الملك وفي نفسه قال له: إنك ذو مكانة وأمانة، بحيث يتمكن مما يريده من الملك، ويأمنه الملك على ما يطلع عليه من أمره، أو على ما يكله إليه من أمور؛ أي أطلق الملك يد يوسف، عليه السلام، في جميع أمور المملكة المصرية وخيَّره أن يتقلد من المناصب ما يشاء، وقد نقل المفسرون عن أهل الكتاب: (أن فرعون عظم يوسف، عليه السلام، جدًّا وسلطه على جميع أرض مصر، وألبسه الحرير وطوقه الذهب وحمله على مركبه الثاني، ونُودي بين يديه، أنت رب ومسلط، وقال له: لست أعظم منك إلا بالكرسي) . اهـ.
· ثانيًا: مع قوله تعالى: (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيم) [يوسف: 55] :
لما خير الملك يوسف، عليه السلام،: (اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ) ؛ أي ولني أمر حفظ خزائن أرض مصر وما فيها من الأطعمة والأموال، ثم قدَّم له تعليل طلبه، فقال: (إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيم) ؛ أي ضابط لها ولا أصرفها إلا في مصارفها ولدي العلم الكامل بوجوه جمعها وتفريقها ومدخلها ومخرجها، ويوسف، عليه السلام، لم يطلب هذا الطلب ليتحكم به في رقاب العباد، لا بل طلبه ليتوصل به إلى نشر العدل ورفع الظلم، ودعوة أهل مصر للإيمان بالله، وترك عبادة الأوثان.
ويوسف، عليه السلام، يعلم أهمية الاقتصاد في توجيه حياة الناس، وخصوصًا والبلاد قادمة على سنوات متقلبة؛ رخاء يعقبه جدب، ثم رخاء، فلابد من إحكام الأمور وعدم تركها في أيدي من لا يحسنون التصرف أو يحكمون الهوى، هذا وقد تكلم المفسرون، رحمهم الله، قديمًا وحديثًا فيما يُستفاد من قول يوسف، عليه السلام،: (اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ) ، وإليك بعض هذه الأقوال إتمامًا للفائدة: