واعلم أخا الإسلام أن الذي يطيع ربه عند وضوح العلة التي يدركها عقله إنما يعبد عقله، والذي يعبده في الأمور التي تقبل التعليل والتي لا تقبل هذا هو الذي يعبد ربه، فتنبه! والله عز وجل يقول: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [النساء: 65] .
وتدبر كيف امتدح الله تعالى إبراهيم عليه السلام بقوله: (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إمامًا) [البقرة: 124] ، ووصفه سبحانه بقوله: (وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى) [النجم: 37] ، والذي يظهر من استعراض قصة إبراهيم عليه السلام أنه كلف كغيره من الرسل بالبلاغ والدعوة، لكنه كانت له ميزات؛ منها:
أولًا: الحجة التي أوتيها على قومه في محاجته لعباد الأوثان والكواكب وللملك، وهي في استخدام الحجج العقلية.
ثانيًا: ما أمر به من إسكان زوجه وولده الذي لم يرزق بعد غيره بأرض غير ذي زرع ويتركهم ويرجع، ثم أمره بذبح ولده لما بلغ معه السعي ولم يكن قد رُزق بعد بولد غيره، وكانت امرأته عاقرًا، وقد صار هو شيخًا.
لذا فإننا نذكر أنفسنا وسائر إخواننا أن يعلموا أن جعل بعض الأحكام الشرعية تقبل التعليل وتفهم الحكمة فيها بالعقول أن ذلك من رحمة الله تعالى، لكن الوقوف عندها ليس هو الأمر المشروع، إنما العابد لربه هو الذي يقوم بالأمر الذي شُرع؛ لأن الله شرعه لا لأن العقل أدرك الحكمة من ورائه.