فهرس الكتاب

الصفحة 9494 من 18318

وأما عن السبب الذي لأجله يكثر الحسد بين الأمثال والأقران والإخوة وبني العم والأقارب ويقل في غيرهم ويضعف، يقول أبو حامد الغزالي، رحمه الله: اعلم أن الحسد إنما يكثر بين قوم تكثر بينهم الأسباب الداعية إلى الحسد، وهذه الأسباب إنما تكثر بين أقوامٍ تجمعهم روابط يجتمعون بسببها في مجالس المخاطبات ويتواردون على الأغراض، فإذا خالف واحد منهم صاحبه في غرض من الأغراض نفر طبعه عنه وثبت الحقد في قلبه، فعند ذلك يريد أن يستحقره ويتكبر عليه ويكافئه (يجازيه) على مخالفته لغرضه ويكره تمكنه من النعمة التي توصله إلى أغراضه وتترادف جملة من هذه الأسباب، إذ لا رابطة بين شخصين في بلدتين متنائيتين، فلا يكون بينهما محاسدة، وكذلك في محلتين، نعم إن تجاورا في مسكن أو سوق أو مدرسة أو مسجد تواردا على مقاصد تتناقض فيها أغراضها، فيثور من التناقض التنافر والتباغض ومنه تثور بقية أسباب الحسد، ولذلك ترى العالم يحسد العالم دون العابد، والعابد يحسد العابد دون العالم، والتاجر يحسد التاجر، ويحسد الرجل أخاه وابن عمه أكثر مما يحسد الأجانب، والمرأة تحسد ضُرَّتها أكثر مما تحسد أم الزوج وابنته، ومنشأ جميع ذلك حب الدنيا، فإن الدنيا هي التي تضيق بالمتزاحمين، أما الآخرة فلا ضيق فيها، فلذلك لا يكون بين علماء الدين محاسد؛ لأن مقصدهم معرفة الله تعالى، وهو بحر واسع لا ضيق فيه، وغرضهم المنزلة عند الله، ولا ضيق أيضًا فيما عن الله.

نعم إذا قصد العلماء بالعلم المال والجاه تحاسدوا؛ لأن المال أعيان وأجسام إذا وقعت في يد واحد خلت عنها يد الآخر. [ (تهذيب إحياء علوم الدين) عبد السلام هارون (ج2) ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت