فهرس الكتاب

الصفحة 9500 من 18318

والانحراف الكبير الذي أصاب البشرية في تاريخها الطويل لم يكن بإنكار وجوده الله والعبودية له، وإنما كان بتوجيه العبادة لغيره، وإشراك آلهة أخرى معه من مخلوقات الأرض أو السماء، ولهذا كانت مهمة رسل الله كافة في جميع العصور هي تحويل الناس من عبادة المخلوقات إلى عبادة الخالق، وكان نداؤهم الأول في أقوامهم: (أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) [النحل: 36] ، (اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) [الأعراف: 59] .

ومن هنا عنى كتاب الله العظيم - القرآن الكريم - في الدرجة الأولى بالدعوة إلى توحيد الله، وإفراده بالعبادة والاستعانة والتوكل والإنابة، لا بإثبات وجود سبحانه، فإن هذا الوجود - على وجه عام - مسلم به ومفروغ منه، ولا يجادل فيه إلا قلة مغمورة في كل عصر لا يقام لها وزن، ولا تتسع لها دعوى.

لقد خسر أولئك الملاحدة أنفسهم ووجودهم، خسروا الحياة وما بعدها، خسروا كل شيء؛ لأنهم خسروا الإيمان، لقد خلع هؤلاء الملاحدة رداء العبودية لله، فوقعوا في العبودية لغير الله، لأنهم استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، استبدلوا العبودية للخالق، بالعبودية للمخلوق، واستبدلوا الإله الواحد بآلهة شتى، واتخذ بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله، فلا واحد منهم إلا وهو عبد لأكثر من سيد، وخاضع لأكثر من إله، فهمه شعاع، وقلبه أوزاع، أين هذا من المؤمن الذي رفض كل الآلهة الزائفة من حياته، وحطم كل الأصنام من قلبه، ورضي بالله ربًا، عليه يتوكل، وإليه ينيب، وبه يعتصم، وإليه يحتكم، فلا يبغي غير الله ربًا، ولا يتخذ غير الله وليًّا، ولا يبتغي غير الله حكمًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت