2 -اهتداء المؤمن إلى سر وجوده: وهو ثاني أسباب السكينة، والدين وحده هو الذي يحل عقدة الوجود الكبرى، بما يرضي الفطرة ويشفي الصدور، فالناس لم يخلقوا من غير شيء، ولم يخلقوا هم أنفسهم، ولم يخلقوا مما حولهم ذرة في الأرض أو السماء: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ(35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ) [الطور: 35، 36] ، بل: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) [غافر: 62] ، لغاية ولحكمة: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ(38) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُون) [الدخان: 38، 39] ، وهذا الحق الذي به خلقت السماوات والأرض هو ما يستشفه العقل، وتحس به الفطرة، وأن وراء هذه الحياة - حياة الابتلاء والفناء - حياة أخرى، هي الغاية وإليها المنتهي ويجزى فيها المحسن بإحسانه، المسيء بإساءته، حتى لا يستوي الخبيث والطيب، والبر والفاجر، وهذا ما تقتضيه الحكمة: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ(27) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ) [ص: 27، 28] .
بهذا يهتدي المؤمن إلى سر وجوده، ووجود العالم كله، لقد عرف الله فعرف به كل شيء، وحل به كل لغز، واهتدى به إلى كل خير، فالعالم كله مملكة الله، وكل ما فيه من آثار رحمة الله، والإنسان خُلِقَ لعبادة الله، وتحمل أمانة الله، والحياة هبة من الله، والموت قدر من الله، والدنيا مزرعة لطاعة الله، والآخرة موعد الحصاد والجزاء من الله، والسعيد من اهتدى بهدى الله، والشقي من أعرض عن ذكر الله، والموت هو القنطرة التي تصل ما بين الدارين.