لقد جاء الدين بما يكمل الفطرة، ويأخذ بيد العقل، فما أحست به الفطرة في غموض، جاء الدين فبينه أحسن بيان وأتمه، وما اهتدى إليه من العقل في إجمال واشتباه، جاء الدين ففصله أحسن تفصيل، ومحا عنه الاشتباه.
والدين قد جاء يخاطب الفطرة كلها، يخاطب العقل والقلب معًا، والذين يعتمدون على سلطان العقل وحده في الوصول إلى عقيدة سليمة راسخة، قد جاوزوا بالعقل حدود اختصاصه، وأهملوا جانبًا هامًا في الفطرة الإنسانية، كما أغلقوا على أنفسهم بابًا واسعًا ما كان أحوجهم إليه، وما أضل سعيهم بغيره، هو باب الوحي.
وقد حاول كثير من المفكرين أن يظفروا بطمأنينة النفس عن طريق الفلسفة البشرية بعيدًا عن هدى الله، ووحي الله، فأفلسوا وعجوزا.
قال الفخر الرازي في كتابه (أقسام اللذات) - بعد أن حصل أفكار المتقدمين والمتأخرين، وطاف بدائرة المعارف الفلسفية والكلامية لعصره: (لقد تأملت الكتب الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تروي غليلًا، ولا تُشفي عليلًا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، ومن جرّب مثل تجربتي، عرف مثل معرفتي) .