وفي (المغني) قال: ولو كان الصوم شرطًا لما صح اعتكاف الليل؛ لأنه لا صيام فيه، ولأنه عبادة تصح في الليل، فلم يشترط له الصيام كالصلاة، ولأنه عبادة تصح في الليل فأشبه سائر العبادات، ولأن إيجاب الصوم حكم لا يثبت إلا بالشرع، ولم يصح فيه نص، ولا إجماع.
قال سعيد: حدثنا عبد العزيز بن محمد عن أبي سهل قال: كان على امرأة من أهلي اعتكاف، فسألت عمر بن عبد العزيز فقال: ليس عليها صيام إلا أن تجعله على نفسها، فقال الزهري: لا اعتكاف إلا بصوم، فقال له عمر: عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: لا، قال: فعن أبي بكر؟ قال: لا، قال: فعن عمر؟ قال: لا، قال: وأظنه قال: فعن عثمان؟ قال: لا، فخرجت من عنده فلقيت عطاء وطاوسا فسألتهما، فقال طاوس: كان فلان لا يرى عليها صياما، إلا أن تجعله على نفسها، وأحاديثهم لا تصح، أما حديثهم عن عمر فضعيف كما سبق.
ثم قال في (المغني) : إذا نيف هذا فإنه يستحب أن يصوم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف وهو صائم، ولأن المعتكف يستحب له التشاغل بالعبادات والقرب والصوم من أفضلها ويتفرغ به مما يشغله عن العبادات، ويخرج به من الخلاف.
الاعتكاف في المساجد:
فإن نذر المسلم أن يعتكف في مسجد وعينه أجزأه أن يعتكف في مسجد آخر، إلا المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى، لما جاء في فضل الصلاة فيها، فإن نذر في مسجد من الثلاثة بغير تعيين جاز فيه وفي واحد منها، ولم يجز في غيرها، فإن عينه بأنه المسجد الحرام لم يجز الوفاء بالنذر في سواه، فإن عينه المسجد النبوي جاز فيه أو في المسجد الحرام، فإن عينه في المسجد الأقصى؛ جاز في المسجد الحرام أو المسجد النبوي.
وقد ورد عن بعض العلماء كحذيفة وسعيد بن المسيب وابن مسعود أنه لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة؛ مستدلين بحديث: (لا اعتكاف إلا في المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى) .