إن عقيدة القضاء والقدر لا لبس فيها ولا غموض، ولا إبهام ولا عسر، فدع ما سمعت فيها وما قرأت وخذها عني سهلة ميسرة، تنساب إلى عقلك إنسياب الماء إلى منحدره، سأترك هذه المصطلحات العلمية التي وقفت دهرًا طويلًا حائلًا دون فهم الناس لهذه العقيدة السهلة سهولة الملة الإسلامية، السمحة سماحة الإسلام، اليسيرة كل اليسر.
لا مرية في أن هذا العالم لم يخلق عبثًا، ولا هو يسير فوضى، بل هو خاضع لقوانين حكيمة، نواميس دقيقة، لا يخرج عن سلطانها قيد شعرة.
هذه القوانين الأزلية الأبدية الخالدة الحكيمة التي وضعها رب العزة جل ثناؤه، ليسير عليها هذا الكون بسمائه وأرضه، شمسه وقمره ونجومه وأفلاكه، وجباله وبحاره، وحيوانه، نباته، وعامره وغارمه، هي القدر.
أما القضاء: فهو تنفيذ أحكام هذه القوانين وإبراز نتائجها في الخارج على مقتضى علمه تعالى وحكمته.
واسمح لي أن أضرب لك مثلًا يوضح لك ما قدمته ويفصله:
وضع رب العزة قانونًا يقضي بأن يكون مجموع زوايا المثلث الثلاث مساويًا لزاويتين قائمتين؛ أي 180ْ درجة، فهذا القانون: قدر.
فإذا أنت رسمت مثلثًا أيًّا ما تكن أضلاعه وزواياه: كان مجموع زواياه 180ْ حتمًا، ومهما تحاول، ومهما تبذل من الجهد لكي تغير هذه الحقيقة، فلست بمستطيع إلى ذلك سبيلًا.
تنفيذ هذا القانون وبروز حكمه في الخارج، وجريانه على المثلث الذي رسمته، هو القضاء.
وقس على ذلك سائر القوانين الهندسية والرياضية والفلكية والطبيعية والكيمياوية، وقوانين الوراثة والغريزة، ما يجرى في عالم النبات والحيوان والجماد، وما إلى ذلك.
وذلك ما عبر عنه القرآن الكريم بسنة الله التي لن تجد لها تبديلًا ولا تحويلًا.
فالأسباب تفضى إلى ما مسبباتها حتمًا، والمقدمات تسلم إلى نتائجها لا محالة، فمن أتى الأسباب استهدف لمسبباتها، ومن اتخذ المقدمات أفضت به إلى النتائج، ولا يظلم ربك أحدًا.