فهرس الكتاب

الصفحة 9627 من 18318

وكل ما يصدر عن الإنسان فهو عمله الذي يستهدف لنتائجه، ويتحمل تبعاته، ويلقى جزاءه، والناس مجزيون بأعمالهم: إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر.

ولا يسوغ لامرئ أن يقترف سيئة ثم يحمل القضاء والقدر تبعة ما اقترف، بل عليه أن يرجع باللائمة على نفسه، ويتوب من ذنبه ليحظى بمغفرة ربه، فقد قال تعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا) [النساء: 110] .

والكلمة التي تجري على ألسنة العامة وأشباههم وهي قولهم: إلهي ما عصيتك باختياري إلا بجهلي وقضائك، من الكذب الوقح، والمغالطات الجزئية، إذ كل عاص يشعر بأنه يقترف المعصية بكامل اختياره، وإن المرء حين يقترف الخطيئة أول مرة يحس صراعًا قويًا في نفسه بين داعي الواجب والحق والفضيلة، وداعي الهوى والباطل والرذيلة، ولكنه يؤثر اللذة والعاجلة، والشهوة العابرة على النعيم المقيم، فينساق مع الهوى والفتون، ويخفت صوت الضمير الذي يدعوه إلى الفضيلة، فكيف يزعم بعد هذا أنه لم يعص الله باختياره؟ وكيف يحمل قضاء الله جريرة معصيته؟ أيحسب أن هذا الكذب يبرر خطيئته، ويبرئه من إثم ما اقترفت يداه؟

وإذا شعر أن القضاء يحرفه نحو الهاوية فلم يستخذى له؟ ولم لا يقاومه بكل ما منحه الله من قوة؟ وقد علمنا الله تعالى أن ندافع الأقدار بالأقدار، فندفع قدر الجوع بقدر الطعام، وندفع قدر الظمأ بقدر الشراب، وندفع قدر المرض بقدر الدواء، وقدر هجوم العدو بقدر الدفاع وإعداد ما يلزم من القوة، وقدر الذنب بقدر التوبة النصوح، وهكذا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت