فهرس الكتاب

الصفحة 9628 من 18318

ولله در أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، إذ يلقي كلمة الفصل في مشكلة القضاء والقدر حين سُئل: أكان مسيرنا إلى الشام بقضاء من الله وقدر؟ فقال للسائل: ويحك! لعلك ظننت قضاء لازمًا، وقدرًا حاتمًا، ولو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب، وسقط الوعد والوعيد، إن الله سبحانه أمر عباده تخييرًا، ونهاهم تحذيرًا، وكلف يسيرًا، ولم يكلف عسيرًا، وأعطى على القليل كثيرًا، ولم يُعْصَ مغلوبًا، ولم يطع مكرهًا، ولم يرسل الأنبياء لعبًا، ولم ينزل الكتاب للناس عبثًا، ولا خلق السماوات والأرض وما بينهما باطلًا، ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار.

الإحسان

الإحسان: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) .

هذا هو القول الفصل الذين يطمئن به القلب، وتسكن إليه النفس، ويثلج به الصدر، هذا مثل رائع من جوامع الكلم التي أوتيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لفظ قليل، ومعنى كثير، كلمات معدودة، ومعان لكثرتها غير محدودة.

يصور عليه الصلاة والسلام الإحسان في أجمل مظاهره، وأروع صوره، وأجمع حدوده، ويسوق معناه إلى الأذهان سوقًا رقيقًا، حتى ينساب فيها بغير عسر، كما ينساب الماء إلى منحدره.

هذا هو الإحسان الذي أعوز الصوفية لفظه ومعناه، فوضعوا له اسمًا لم يعرفه الإسلام، ولم ينطق به النبي العربي ولا صحابته الأخيار، ولا خلفاؤه الراشدون، وهو لفظ (التصوف) ، الذي ما نطق به مسلم من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، وجعلوا من تمام معناه: اعتناق عقيدة (وحدة الوجود) التي ضل بها كثير ممن قال بقولهم: ونسج على منوالهم.

الإحسان: (أن تعبد الله كأنك تراه) !

هكذا يصور رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقربه به في أوجز لفظ، وأعذبه إلى قلوب المؤمنين.

(أن تعبد الله كأنك تراه) : كأنك تراه في جلاله وعظمته وعلمه وحكمته، وقوته وقدرته وفضله ورحمته، وقد بهرك جماله، وغمرتك أنواره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت