والقول بأن زكريا كان إذا خرج من عندها أوصد دونها سبعة أبواب: أمعن في الكذب، وأعرق في الاختلاق، وأبعد عن الحق، وأدنى إلى الخرافة، فهل كان زكريا يخشى عليها الهرب؟! أو يتوقع منها الفرار حتى يقفل من دونها الأبواب؟!، ويوصد الأقفال؟! أم هل كانت مجرمة قضى عليها بالسجن العميق المؤبد الذي لم يكتف له بباب واحد وغلق واحد!! بل أقيمت عليه سبعة أبواب، وضعت عليها سبعة أغلاق، إمعانًا في التنكيل بها، وغلوًا في تعذيبها!! أم هل كانت فاجرة يخشى عليها الخنا، فوضعت من وراء الأبواب الموصدة، والعمد الممددة، حتى لا يصل إليها الفسقة والداعرون!!
وهل من الإكراه لفتاة نذرتها أمها لله تقربًا إليه وتوصلا إلى رضاه أن يزج بها في أعماق السجون حتى تحرم من ضوء الشمس ونسمات الهواء؟!
إن كنتم يا معشر القصاص قد ألغيتم عقولكم فاتقوا الله في عقول الناس، إن كل هدية تقدم إلى تلك التي نذرتها أمها محررة لله إنما هي قربان لله تعالى، ولا جرم أن هؤلاء الأحبار الذين كانوا ينافسون زكريا في كفالتها لم يقطعوا حبل مودتها بعد أن صارت كفالتها لزكريا، بل صاروا يتقربون إلى الله تعالى بصلتها والإهداء إليها. وغير الأحبار من الربانيين - الذين يحبون الله ويحبون هذه النذيرة التي نذرت لله - يتقربون كذلك إلى الله بصلتها والإهداء إليها، ويتعاهدونها بشتى الهبات من الطعام والفاكهة والثياب والحلي وغير ذلك مما يلطفون به تلك التي نذرتها أمها لله. فكان محرابها حافلا بالخيرات مغمورًا بالهبات، زاخرًا بالأرزاق.
وتواجه القصاص بهذه الحقائق فينكرونها، ويقولون: ما كان لسليلة عمران في فضلها وشرفها أن تأكل الصدقات. أين الصدقات من الهدايا والهبات؟!
لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو أفضل من أظلت السماء وأقلت الأرض - يقبل الهدية. فمن ذا الذي يسوع له أن يترفع عما قبله سيد المصطفين الأخيار؟!