ولم يكتف الله بمراقبته عباده: (وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) [النساء: 79] ، حتى وكل بك يا عبد الله ملائكة: (كِرَامًا كَاتِبِينَ(11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُون) [الأنفطار: 11، 12] ، (عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ(17) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)، بعض العوام يظنون أن الملكين يقال لأحدهما: رقيب، وللآخر: عتيد، لا. ليس الأمر كذلك، وإنما (رَقِيبٌ عَتِيدٌ) معناه: ملَك يراقبك، وقد أعد لهذه المراقبة وهيئ لها، حتى يقوم بها على أكمل وجه، فلا تفلت منه كلمة صدرت منك، أما ملك اليمين فيكتب حسناتك، وأما ملك الشمال فيكتب سيئاتك، ولذا كان الحسن البصري، رحمه الله، يقول: (يا ابن آدم، بسطت لك صحيفة ووكل بك ملكان كريمان، أحدهما عن يمينك، والآخر عن شمالك، فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك، وأما الذي عن يسارك فيحفظ سيئاتك، فاعمل ما شئت، أقلل أو أكثر، حتى إذا مت طويت صحيفتك، وجعلت في عنقك معك في قبرك، حتى تخرج يوم القيامة، فعند ذلك يقول تعالى: (وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا(13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا) [الإسراء: 13، 14] ، ثم يقول: عدل والله فيك من جعلك حسيب نفسك). [ابن كثير: (3/ 28) ] .
وقد جعل الله لهؤلاء الكتبة من القدرة ما به يعلمون إرادة الإنسان قبل أن يفعل، ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (قال الله عز وجل: إذا هم عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه، فإن عملها فاكتبوها عليه سيئة، وإذا هم عبدي بحسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة، فإن عملها فاكتبوها عشرًا) . [متفق عليه] .