فهرس الكتاب

الصفحة 9796 من 18318

الخطباء والوعاظ: بالرغم من حُسن حديثهم وحلاوة منطقهم الذي يسلبون به الألباب والمشاعر، وقد يكون منهم علماء أفذاذ ولكنهم قلة، قال عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه: (إنكم في زمان كثير علماؤه، قليل خطباؤه، وإن بعدكم زمانًا كثير خطباؤه، والعلماء فيه قليل) (27) .

فالعلماء قليلون، أما المتكلمون فكثيرون، قال مجاهد، رحمه الله: (ذهب العلماء فلم يبق إلا المتكلمون، وما المجتهدون فيكم إلا كاللاعب فيمن كان قبلكم) (28) .

ونحذر من هؤلاء الذين لم يعلقوا من العلم بشيء إلا رسومًا وأشكالًا في اللباس والهيئة، ويتقعرون ويتشدقون بأساليب المنطق والكلام، فغاية ما عندهم من العلم عبارات وشقاشق لا يعبأ الله بها، يُحرّفون بها الكَلِمَ عن مواضعه، فهم متشدِّقون متفيهقون، يوهمون الأغرار أنهم علماء، وما هم بعلماء، إنما هم اتخذوا العلم مهنة يتعيشون بها ويتأكلون.

إننا نريد علماء أبرار قدوة، عندهم من سعة العلم وصفاء النفس وقوة المعرفة والفهم ما يستطيعون أن يدفعوا به الحيرة المدمرة عن خاطر العوام والجهال ... علماء تشرأب إليهم الأعناق إجلالًا وتقديرًا وولاءً، لا تخيفهم المحن، ولا تلهيهم الفتن، بل يتحملون نارها بصبر وجلد، فنار جهنم أشدّ حرًّا ... لا يهابون سلطانًا جائرًا، ولا حاكمًا جبارًا، لا يداهنون ولا يتملقون، ولا يكتمون علمًا، ولا يسكتون عن حق، ولا يخشون في الله لومة لائم، لا يغريهم المال، ولا القُرب من أصحاب الجاه والنفوذ، بل هم في حرص بالغ على الوصول إلى الجنة، يقول الله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ) [البقرة: 207] ، يحتاج الناس إلى دينهم ولا يحتاجون لدنياهم، قال أحد الولاة عن الحسن البصري: (احتجنا إلى دينه، واستغنى عن دنيانا) ، فماذا يكون الحال إذا احتاج العلماء إلى ما عند الحكام من دنيا، واستغنى الحكام عمّا عند العلماء من دين؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت