فهرس الكتاب

الصفحة 9835 من 18318

ولابد لاستجابة الدعاء من شرطين: أحدهما: الإخلاص في التوجه إليه سبحانه بالدعاء وفي الاعتماد عليه، والآخر: الأخذ في الأسباب وانتهاج الطرق الموصلة للمطلوب، فإذا أراد إنسان أن يسأل الله مالًا فلا بد من أن يسعى في طلب المال بالطرق الشرعية، ويستوفي شروط الطلب من الجد والصدق والمهارة فيما يتخذه وسيلة لتحصيل المال، ثم يدعو الله سبحانه أن يوفقه في مسعاه، وإذا أراد ذرية فليسلك سبيلها الشرعية، فيتزوج، ثم يسأل الله الذرية، ولا يمكن أن يدرك مالًا بدون سعي، ولا ذرية بدون زواج، أمَّا الطمع في الاستجابة بدون سعي وبدعاء لا يصدر من القلب: فهذا أمر بعيد المنال، فليس الدعاء كلامًا يلوكه اللسان بلا تدبر ولا إخلاص ولا سعي، وما أحسن ما قاله في هذا المعنى الشيخ محمد عبده في (تفسير المنار) (3/ 152) وهو: أن الله تعالى ما علمنا هذا الدعاء لأجل أن نلوكه بألسنتنا ونحرِّك شفاهنا فقط، كما يفعل أهل الأوراد والأحزاب، بل علمنا إياه لأجل أن ندعوه مخلصين له لاجئين إليه، بعد أخذ ما أنزله بقوة، والعمل على قدر الطاقة، واستعمال ما يصل إليه كسبنا من الوسائل والذرائع التي هي وسائل الاستجابة في الحقيقة، فمن دعاه بلسان مقاله ولسان حاله معًا، فإنه يستجيب له بلا شك، ومن لم يعرف من الدعاء إلا حركة اللسان مع مخالفة الأحكام وينكب السنن فهو بدعائه كالساخر من ربه، فلا يستحق إلا مقته وخذلانه، فإذا كان سبحانه قد بين لنا سبب المغفرة والعفو، وهدانا إلى طرق الغلبة والنصر، فأعرضنا عن هدايته وتنكبنا سنته في خليقته، ثم طلبنا منه ذلك بألسنتنا دون قلوبنا وجوارحنا أفلا نكون نحن الجانبي على أنفسنا، وتوقف الدعاء على العمل يستلزم توقفه على العلم، فلا يكون الداعي داعيًا حقيقة كما يحب الله ويرضى إلا إذا كان قد عرف ما يجب عليه من الشريعة وسنن الاجتماع واتبعه بقدر استطاعته، فإذا اتخذت الأمة الوسائل التي أُمرت بها ودعت الله تعالى أن يثبتها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت