فهرس الكتاب

الصفحة 9848 من 18318

فالأصل إباحة العمل للفرد - كائنًا ما كان هذا العمل وهذا الفرد - بشرط حل العمل وكون الفرد مؤهلًا له، ومن ثم جاز تركه للعمل في أي وقت تحت قاعدة الإباحة (البراءة الأصلية) ، لكن تدخل قاعدة (لا ضرر ولا ضرار) ، لكي تشترط لهذه الإباحة عدم الإضرار بمصلحة الغير، كصاحب العمل مثلًا، أو المنتفعين بهذا العمل، وهذا يجرنا إلى الإشارة إلى القوانين الحديثة التي تتحدث عن الإضراب، وبعضها يبيحه، إلا أن الشريعة الإسلامية التي اعتمدت الضوابط المنظمة لقاعدة الإباحة وجدت أن الإضراب عن العمل له ضرره البالغ، فأعطت - فيما ينقل ويرى الإمام ابن القيم في (الطرق الحكمية) وليَّ الأمر حق حمل أرباب الحرف والصناعات على العمل بأجرة المثل إذا امتنعوا عن العمل، وكان في الناس حاجة لصناعتهم وحرفهم (20) .

وهذه القاعدة أيضًا تتدخل في تحديد إباحة الانتفاع بالشوارع والطرق - التي أشرنا إليها آنفًا - وهو انتفاع ينبغي أن يكون نسبيًّا، يعني خاضعًا لتجاوب الحقوق المختلفة، ولعل المصنفات في الحسبة على الشوارع والبيوت ترشد إلى جوانب من هذه القيود، فالشيرازي في (نهاية الرتبة) (21) يرى أنه (لا يجوز لأحد إخراج داره ولا دكانه فيها الممر المعهود، وكذلك كل ما فيه أذية وأضرار على السالكين، كالميازيب الظاهرة من الحيطان زمن الشتاء، ومجاري الأوساخ الخارجة من الدور في زمن الصيف إلى وسط الطريق) .

يقول د. وليد المنيسي: (في هذا النص دليل على عظم شأن مهمة المحتسب في إحداث الضبط العام في الطرق، فلا يتسبب أحد في أذية السالكين) (22) .

بل تعدى الأمر مجرد الاحتساب إلى تضمين المتسبب في الأذى من هذه النواحي، (فمن أوقف دابة في طريق، ولو واسعًا، أو ترك بها نحو طين، أو خشبة ضمن ما تلف بهذا الفعل لتعديه به) (23) .

وللحديث بقية إن شاء الله.

(1) معجم مقاييس اللغة لابن فارس، ط الحلبي، مصر 1389: 1/ 315.

(2) الموافقات، الشاطبي، ط السلفية 1341: 1/ 68، 69.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت