وبهذا احتج من قال: إن الوقوف بمزدلفة والمبيت بها ركن كعرفة، وهو مذهب ابن العباس وابن الزبير وكثير غيرهما.
والأصح أن من فاته المبيت بمزدلفة من الأقوياء بغير عذر عليه دم.
وفي موقفه هذا قال: (وقفت هنا، ومزدلفة كلها موقف) .
العودة إلى منى لرمي الجمرات والمبيت بها:
وفي طريقه إلى منى سألته امرأة من خثعم عن الحج عن أبيها، وكان شيخًا كبيرًا لا يستطيع الجلوس على الرحل، فأمرها أن تحج عنه، وسأله آخر عن أمه العجوز، فقال: (أرأيت إن كان على أمك دين، أكنت قاضيه؟ ) قال نعم، قال: (فحج عن أمك) .
وهذا خاص بالحج فقط.
ثم سار صلى الله عليه وسلم إلى منى قاصدًا جمرة العقبة، فلما بلغها بعد طلوع الشمس وقف أمامها، ورماها وهو على راحلته بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ثم قطع التلبية بعد الرمي.
وينبغي أن يتصور الرامي أنه إنما يحاول إخراج حظ الشيطان من نفسه بهذه الحركة العنيفة، مظهرًا أشد العداوة والكره له، معظمًا ربه بهذا التكبير، ولا يظن أنه يرمي الشيطان بهذه الحصاة، فإن الشيطان يوسوس في الصدر، ويجري من ابن آدم مجرى الدم.
ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قلب منى، فخطب الناس خطبة بليغة، أخبرهم فيها بحرمة يوم النحر - يوم الحج الأكبر - وكان يوم السبت - وفضل هذا اليوم عند الله، وحرمة مكة على جميع البلاد، وأمرهم بالسمع والطاعة لأميرهم ما دام ملتزمًا بكتاب الله، وعلمهم بقية مناسكهم، وأنزل المهاجرين عن يمين القبلة، والأنصار عن يسارها، والناس من حولهم، وحذر الناس أن يرجعوا بعده كفارًا يضرب بعضهم رقاب بعض، وأمرهم بالتبليغ عنه وقال: (نضر الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها، ثم أداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) .