فهرس الكتاب

الصفحة 9949 من 18318

أي قد منَّ الله علينا فجمعنا بعد افتراق، ولم شملنا بعد شتات وجاء قوله: (إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) تعليل وتوكيد، فهو تعليل لما تقدم من نعمة الله أحاطت بيوسف وأخيه نتيجة صبرهما وتقواهما، ثم انتقل التوكيد إلى جعل ذلك قانونًا عامًّا يشمل جميع المحسنين في كل زمان ومكان، وأراد يوسف عليه السلام أن يلقن إخوته درسًا ويُعلهم وسائل التعرض إلى نعم الله تعالى، وحثهم على التقوى والتخلق بالصبر تعريضًا بأنهم لم يتقوا الله فيه، ولا في أخيه، ولم يصبروا على إيثار أبيهم إياهما عليهم.

وقال صاحب (التحرير والتنوير) : (وهذا من أفانين الخطابة أن يغتنم الواعظ الفرصة لإلقاء الموعظة وهي فرصة تأثر السامع انفعاله وظهور شواهد صدق الواعظ في موعظته) .

وقد يسأل سائل ويقول: فهمنا من الحوار ما يدل على مدح يوسف عليه السلام نفسه وأخاه بالتقوى والصبر، ودخولهم في عداد المحسنين، فهل يجوز ذلك؟

أجاب صاحب تفسير (التحرير والتنوير) عن ذلك التساؤل بقوله: (إن هذا في مقام التحدث بالنعمة وإظهار الموعظة سائغ للأنبياء؛ لأنه من التبليغ كقول النبي صلى الله عليه وسلم:(إنني لأتقاكم لله وأعلمكم به) .

وهنا جاء دور الاعتراف بالذنب والعزم على التوبة والإقرار بفضل الله الذي غمر يوسف عليه السلام، فقال الإخوة في بهجة صادقة بما أخبر الله تعالى عنهم: (قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْءَاثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ) .

وهذا اعترافهم بتفضيل الله ليوسف عليه السلام عليهم وهو اعتراف بالحق فرضه الواقع المشاهد، ثم أتبعوا ذلك باعترافهم بخطئهم فيما فكروا وفيما دبروا بشأن يوسف وأخيه، وهذا الاعتراف دليل صدقهم في توبتهم وندمهم على ما فعلوا، ولذلك كان تعقيب يوسف الآتي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت