وقد كانت أحوال الناس في الموقف بعرفة متنوعة؛ فمنهم من كان يغلب عليه الخوف أو الحياء، فقد وقف مطرف بن عبد الله بن الشخير وبكر المزني بعرفة، فقال أحدهما: اللهم لا ترد أهل الموقف من أجلي، وقال الآخر: ما أشرفه من موقف وأرجاه لأهله لولا أني فيهم.
ووقف أحد الصالحين بعرفة، فمنعه الحياء من الدعاء، فقيل له: لِمَ لا تدعو؟ فقال: أجد وحشة، فقيل له: هذا يوم العفو عن الذنوب، فبسط يديه، ووقع ميتًا.
روي عن الرياش قال: رأيت أحمد بن المعذّل في الموقف في يوم شديد الحر، وقد ضحى للشمس - يعني: لم يستظل بشيء عن الشمس - فقلت له: يا أبا الفضل، هذا أمر قد اختلف فيه، فلو أخذت بالتوسعة، فقال أحمد:
ضحيت له كي أستظل بظله
إذا الظل أضحى في القيامة قالصا
فيا حسرتا إن كان سعيك باطلًا
ويا أسفا إن كان حجك ناقصا
وهذا اجتهاد من أحمد بن المعذّل حرصًا منه على الأجر، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو خير البشر استظل في يوم عرفة.
ومن أولئك الناس في الموقف بعرفة، من كان يغلب عليه الرجاء، قال ابن المبارك: جئت إلى سفيان الثوري عشية عرفة وهو جاث على ركبتيه وعيناه تذرفان، فقلت له: من أسوأ هذا الجمع حالًا؟ قال: الذي يظن أن الله لا يغفر له.
وروي عن الفضيل بن عياض أنه نظر إلى تسبيح الناس وبكائهم عشية عرفة، فقال: أرأيتم لو أن هؤلاء صاروا إلى رجل فسألوه دانقًا - يعني: سدس درهم - أكان يردهم؟ قالوا: لا، قال: والله للمغفرة عند الله أهون من إجابة رجل لهم بدانق.
وإني لأدعو الله حتى كأنما
أرى بجميل الظن ما الله صانع
إذًا تبين لك أيها الحاج موقف الناس في هذا اليوم، فاعلم أنه يجب أن يكون العبد خائفًا راجيًا، فالخوف الصادق المحمود هو ما حال بين صاحبه وبين محارم الله، فإذا تجاوز ذلك خيف منه اليأس والقنوط.